![]()
بِدَارًا”.. استعجال يلتهم الحقوق
القرآن في عرضه العجيب يُصوّر أدق خفايا النفس الإنسانية، فإذا بالآية الكريمة تنهى أولياء اليتامى عن أكل أموالهم ظلمًا وعدوانًا، ثم تُضيف قيدًا آخر يكشف ما قد يختلج في بعض النفوس من ضعف أو طمع، وهو “بِدَارًا أَن يَكْبَرُوا“.
البِدار في أصل اللغة مأخوذ من المبادرة والمسارعة، أي أن يسرع المرء إلى الشيء قبل أوانه. ومنه قولهم: بادر إلى الفعل، أي أسرع فيه. وفي هذا الموضع القرآني، المعنى أن بعض الأولياء كانوا يتخوفون من بلوغ اليتيم ورشده، فإذا بلغ صار المال واجبًا أن يُدفع إليه، فيسابقون الزمن ويأخذون من المال قبل أن يكبر صاحبه ويصير قادرًا على المطالبة بحقه.
والتعبير “بِدَارًا” هنا يشي بحالة نفسية مزدوجة: خوف من فوات فرصة الاستئثار بالمال، وطمع يدفع صاحبه إلى العدوان المستعجل. فكأن القرآن يفضح هذه الخواطر الخفية التي قد تدفع الوصي أو القيم إلى المسارعة في التهام مال اليتيم، لا لحاجة، بل خشية أن يكبر اليتيم فيسترد حقه.
إنها كلمة موجزة، لكنها تُبرز خطورة التلاعب بحقوق الضعفاء، وتفضح بواعث الطمع البشري بأدق تعبير. فالقرآن لا يكتفي بالنهي عن الأكل “إسرافًا” أي تجاوزًا للحد، بل يُضيف قيد “بِدَارًا” ليغلق الباب أمام أي تحايل أو استعجال مشبوه.
وبذلك تتجلّى عظمة البيان القرآني، إذ يُلقي الضوء على مداخل النفس، فلا يترك منفذًا للشيطان أن يبرّر به الظلم. فليس المال وديعة للأوصياء يتصرفون فيه كما يشاؤون، بل هو قيام للناس، وعهد في أعناقهم، ومن خان العهد أو تسابق إلى الظلم، فجزاؤه عند الله شديد.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آيات القرآن الكريم, بِدَارًا"



