![]()
بين عدالة الصحابة وافتراء المنافقين
ردّ علمي على شبهة الطاعنين في السنة
بين عدالة الصحابة وافتراء المنافقين
ردّ علمي على شبهة الطاعنين في السنة
من الشبهات التي يُثيرها بعض الطاعنين في السنة النبوية، ولا سيّما من التيارات الرافضية والاتجاهات المتأثرة بالفكر الاستشراقي، الادعاء بأن بعض رواة الأحاديث من الصحابة قد يكونون من المنافقين الذين كذبوا على رسول الله ﷺ.
وهذه الشبهة – على قدمها – لا تزال تتجدد في ثوب جديد كلما أراد المشككون النيل من حجية السنة النبوية وعدالة الصحابة الذين نقلوا الدين جيلاً بعد جيل.
غير أن هذه الدعوى الباطلة تنهار أمام أبسط قواعد العلم والواقع التاريخي، إذا ما طُرحت الأسئلة الصحيحة على نحو منهجي.
أولاً: هل كان المنافقون معروفين في عهد النبي ﷺ؟
نعم، فقد عرف النبي ﷺ وأصحابه المنافقين بأعيانهم وصفاتهم، وأحاطهم الوحي الإلهي ببيانٍ فاضحٍ لأحوالهم، حتى لم يبق في شأنهم لبسٌ ولا غموض.
وقد دلّت على ذلك نصوص القرآن الكريم وأقوال السلف والعلماء، ومن أبرز الدلائل:
- القرآن الكريم كشف صفاتهم وأفعالهم، فأنزل الله سورًا وآيات بيّنت نفاقهم وكذبهم وخداعهم، مثل سور: البقرة والنساء والتوبة والمنافقون وغيرها، وهي كلها شهادات ربانية تُظهر حقيقتهم أمام المؤمنين.
- تحديد الآيات للأحكام الخاصة بالمنافقين، كما في قوله تعالى:
“وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ” [محمد: 30].
قال الإمام الطبري رحمه الله: «فلتعرفنهم بعلامات النفاق الظاهرة في فحوى كلامهم وظاهر أفعالهم، ثم إن الله عرف نبيه إياهم.»
- شهادة الصحابة بمعرفتهم للمنافقين، فقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه – وهو صاحب سرّ رسول الله ﷺ في أسماء المنافقين –:
«ما بقي من المنافقين إلا أربعة.» (رواه البخاري)
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
«ولقد رأيتنا، وما يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق.» (رواه مسلم)
فهذه النصوص وغيرها تثبت أن المنافقين كانوا معروفين بالوصف وبالاسم، وأن النبي ﷺ قد أُطلِع على أعيانهم، وأطلع بعض أصحابه عليهم، فلا يُتصوّر أن يُروى عنهم حديثٌ واحدٌ يُنسب إلى رسول الله ﷺ دون أن يُكشف أمره.
ثانيًا: هل روى المنافقون أحاديث عن النبي ﷺ؟
الجواب الحاسم: لم يحدث ذلك في حياة النبي ﷺ مطلقًا، لأن المنافقين لم يكن لهم مكان في صفوف الرواة، ولم يجرؤ أحد منهم على اختلاق حديث على رسول الله ﷺ، إذ كانت السنة في عهده مصونة بالوحي، محفوظة من التزييف، تحت رقابة النبوة والوحي الإلهي الذي يفضح الكاذبين.
يقول الدكتور محمد أبو زهو في كتابه الحديث والمحدثون:
«كانت السنة في عهد النبي ﷺ مصونة من الكذب، محفوظة من دجل المنافقين، لأن النبي ﷺ بين ظهراني المسلمين، والوحي ينزل عليه، ويفضح سر المنافقين، فلم يجرؤ أحد على الكذب على رسول الله ﷺ في حياته.»
أما بعد وفاته ﷺ، فإن المنافقين الذين كُشفوا بأسمائهم وأحوالهم لم يكن لهم موطئ قدم في طبقة الرواة، لأن الصحابة العدول هم الذين تولّوا نقل السنة، وكانوا أشدّ الناس حرصًا على صدق الرواية ودقة النقل، حتى وضعوا الأسس الأولى لما أصبح لاحقًا علم الجرح والتعديل، الذي يُعدّ أعظم نظام نقدي معرفي في التاريخ لحفظ التراث من التحريف.
ثالثًا: كيف حفظت الأمة السنة من كذب الكاذبين؟
إن من براهين إعجاز الإسلام أنه لم يترك النقل البشري للسنة دون ضوابط، بل أقام له علمًا قائمًا بذاته:
- علم الجرح والتعديل الذي فحص أحوال الرواة بدقة لا نظير لها في تاريخ الأمم، فلم يُقبل حديث إلا بعد التحقق من عدالة راويه وضبطه واتصال السند.
- علم الرجال والتراجم الذي سجّل أدق تفاصيل حياة الرواة، من مواليدهم وشيوخهم وتلاميذهم إلى أخلاقهم وطرائق روايتهم.
- المنهج الجماعي في التلقي، إذ لم تُبْن السنة على نقل فردٍ مجهول، بل على التواطؤ والضبط الجماعي الذي يمنع التواطؤ على الكذب.
وهكذا استحال عمليًا أن يتسلل منافق أو كاذب إلى طبقة رواة السنة دون أن يُكشف أمره، لأن العلماء ميّزوا كل راوٍ بدقة نادرة، ووضعوا ميزانًا دقيقًا للصدق والرواية.
رابعًا: دلالة الشبهة وحقيقتها
إن إثارة هذه الشبهة ليست بحثًا علميًا بقدر ما هي محاولة لهدم أصل من أصول الدين، إذ الطعن في الصحابة هو في حقيقته طعن في القرآن والسنة معًا. فالله تعالى زكّى الصحابة بقوله:
“مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ…” [الفتح: 29].
كما أجمعت الأمة على عدالة الصحابة، وعدّ العلماء الطعن فيهم طعنًا في أمانة نقل الدين كله.
ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
«الطعن في النقلة طعن في المنقول، وإذا بطلت الثقة بالصحابة بطلت الثقة بالشريعة.»
خلاصة الردّ
إن شبهة احتمال كون بعض رواة الأحاديث من المنافقين باطلة من أصلها، إذ إن المنافقين في حياة النبي ﷺ كانوا معروفين، والقرآن والوحي فضحا نفاقهم، ولم يكن لهم نصيب في الرواية ولا في حفظ السنة. ثم جاء علماء الحديث من بعد الصحابة فدقّقوا في كل راوٍ، حتى صار نقل الحديث أدقّ من نقل الذهب.
فعدالة الصحابة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، والطعن فيهم طعن في أصل الدين، لأنهم حَمَلَة الوحي ورواة الشريعة، الذين حفظ الله بهم دينه وبيانه، كما قال سبحانه:
“إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” [الحجر: 9].
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الصحابة, شبهات حول السنة, صحابة الرسول, صحابة النبي, عدالة الصحابة



