![]()
بلاغة الخطاب الإلهي: كيف صاغ القرآن أسلوبه ليتناغم مع كل قلب؟
بلاغة الخطاب الإلهي: كيف صاغ القرآن أسلوبه ليتناغم مع كل قلب؟
لو تأملنا في خطاب البشر لوجدناه يسير على نمط واحد، يعكس شخصية المتكلم وطبعه. لكن القرآن الكريم، وهو كلام الله المعجز، يكسر هذه القاعدة؛ فهو لا يتحدث بلغة واحدة، بل بلغات متعددة، وأساليب شتى، تتمايز وتتغير كألوان قوس قزح، لتلامس كل قلب على حسب حاله، وتخاطب كل عقل بما يناسبه. إنه يشبه الطبيب الحكيم الذي لا يصف دواءً واحدًا لكل المرضى، بل يُشخّص كل حالة ثم يقدم لها الدواء المناسب. هذا التنوع الأسلوبي العجيب هو أحد أوجه إعجاز القرآن، وجوهر رسالته التربوية التي تتعامل مع النفس البشرية في جميع أحوالها.
الأسلوب المباشر: وضوح لا يحتمل اللبس
هناك مواقف تحتاج إلى حسم ووضوح تام، لا مجال فيها للتلميح أو الإيحاء. هنا يأتي الأسلوب القرآني أمرًا صريحًا مباشرًا، لا يترك مساحة للشك أو التأويل. مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ” (البقرة: ٤٣). هذا الأسلوب يصلح لتأسيس الثوابت، وحدود الحلال والحرام، حيث تكون القاعدة الشرعية واضحة وجلية، كالجبال الراسيات.
الأسلوب الاستفهامي: إثارة العقل وإيقاظ الضمير
لا يريد القرآن أن يلقن الإنسان الحقائق إلقاءً، بل يريد أن يوصله إليها عبر التفكر. لذلك نجده يكثر من استخدام أسلوب الاستفهام التقريري الذي يهز المشاعر ويوقظ الإحساس. مثل قوله تعالى: ”أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ” (الشرح: ١)، وقوله: ”هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ” (الغاشية: ١). هذا الأسلوب يخاطب العقل والقلب معًا، فيدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه والاعتراف بالنعمة، أو الخوف من العقاب.
أسلوب الوعظ اللطيف: تربية النفوس بالحكمة والموعظة الحسنة
ليست كل النفوس قادرة على تحمل الصدمة، ولا كل القلوب تصلح معها القسوة. فنجد القرآن يخاطب المؤمنين بأسلوب وعظي رقيق، يذكرهم برحمة الله ويشجعهم على الفضائل. المثال الأبرز هو قوله تعالى: ”وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (الإسراء: ٥٣). إنها ليست أمرًا جافًا، بل توجيه رباني بأرق العبارات، يحث على اختيار أجمل الكلام وأطيب الكلمات، في صورة رائعة لتربية المجتمع على الذوق الرفيع في الحوار.
أسلوب القصة: تأصيل القيم عبر العبرة والعظة
تمتزج المشاعر بالعبرة في أسلوب القصص القرآني، حيث يقدم القرآن الموعظة في ثوب الحكاية المشوقة، التي تتغلغل إلى القلب دون استئذان. قصة يوسف مع إخوته، ونوح مع قومه، وغيرها، كلها تقدم الدروس في صورة حية، تجعل السامع يعيش أحداثها، فيتأثر بمواقف الصبر والثبات، وينفر من مواقف الكفر والظلم.
أسلوب الحوار: محاكاة العقل وإقناع المنطق
كثيرًا ما يأتي القرآن بحوارات بين الأنبياء وأقوامهم، أو بين أهل الجنة والنار، أو حتى بين الله وملائكته. هذا الأسلوب الحواري لا يقدم الفكرة جاهزة فحسب، بل يعرض الحجج والمناقشات، مما يخاطب العقلاء وأصحاب الفكر، ويدرب القارئ على فن المحاجة والمنطق السليم في دعوة الآخرين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخطاب القرآني, بلاغة القرآن الكريم, تنوع الأساليب في القرآن, فن الحوار في الإسلام



