![]()
بشارة النبي ودموع الصحراء
في صحراء الربذة الموحشة، جلس أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يودّع أنفاسه الأخيرة، وزوجته تبكي عند رأسه بحرقة. اقترب منها وقال بصوت متقطع: “ما يبكيكِ؟”
قالت: “أبكي لأنك تموت هنا في الصحراء، لا كفن لنا، ولا من يصلي عليك.”
ابتسم أبو ذر ابتسامة الموقن، وأجابها بثبات: “لا تحزني، فقد بشّرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم. كنا معه، فقال: سيموت رجل منكم في الصحراء، وسيصلّي عليه جماعة عظيمة من المؤمنين. وقد مات أصحابي الذين كانوا معي، ولم يبقَ إلا أنا، فالمقصود من تلك البشرى أنا.”
أخذت الدهشة قلبها، فقالت: “وماذا أفعل إذن؟”
قال وهو يلفظ أنفاسه: “ضَعيني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرّ سيكونون من خيار الصحابة، وسيصلّون عليّ كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم.”
وما إن غاب وجهه الطاهر في سكون الموت، حتى مرّ ركب عظيم قادماً من العراق، فيهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكبار الأنصار. رأوا المشهد فسألوها: “ما يبكيكِ؟”
قالت: “هذا زوجي أبو ذر، مات ولم نجد ثوباً نكفّنه فيه.”
فتسابق الأنصار رضوان الله عليهم ليكفنوه في أثوابهم، ثم اجتمعوا للصلاة عليه، ورفعوا أكفّ الدعاء له بالجنة والمغفرة، وقد تذكّروا يوم تبوك حين تعثّر بعيره، فجاء ماشياً على قدميه في لهب الصحراء، لا يثنيه تعب ولا وحدة عن اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحين رآه النبي يومها قال والسرور يشرق من وجهه: “يرحمك الله يا أبا ذر، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتُبعث يوم القيامة وحدك.”
وكانت الوحدة في حق أبي ذر ليست عزلة، بل تاج تميّز وإخلاص، فصدق فيه وعد الرسول وتحققت البشارة.
رضي الله عن أبي ذر الغفاري، الصادق الزاهد، الذي عاش غريباً ومات غريباً، لكنه لم يُحرم معية الصالحين ولا كرامة الشهادة بالخير.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أبو ذر الغفاري, الزهد, الصحابة, الصلاة على الميت, الكفن, الموت, الوحدة, بشارة النبي, صحراء الربذة, عبد الله بن مسعود, غزوة تبوك



