![]()
بردة العفو.. “بانت سعاد” بين لوعة الشعر ومهابة النبوة
بردة العفو.. “بانت سعاد” بين لوعة الشعر ومهابة النبوة
في اللحظة التي التقت فيها قوافي الشعر بجلال الوحي، وقف كعب بن زهير على أعتاب التاريخ، مرتجف القلب، متهدّج الصوت، يطرق ببيانه باب الرحمة المحمدية.
لم يكن يومئذٍ شاعراً يلهو بمطالع الغزل، ولا مترنماً بأطلالٍ دارسة، بل كان مذنباً يلوذ بالكلمة، وطريداً يلتمس الصفح في قافية. فجاءت قصيدته الخالدة “بانت سعاد“ لتغدو مناراتٍ تتلألأ في سماء الأدب العربي، ووشاحاً يوشي موكب الدعوة بجلال الشعر.
بين الغزل والاعتذار
لم يشذ كعب في مطلع قصيدته عن تقاليد أسلافه، فابتدأ باللوعة والفراق قائلاً:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
مُتيمٌ إثرها لم يُفدَ مكبولُ
ثم انعطف من الغزل إلى غايته الأسمى، فمدح النبي ﷺ مسترحماً، معترفاً بما بدر منه، مستشفعاً بالمديح إلى الصفح، فقال:
نُبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمولُ
فلم تكن الأبيات هنا مدحاً عابراً، بل كانت شهادة قلبٍ يخفق بين الخوف والرجاء، وصوت شاعرٍ يتطهّر بقوافيه من أدران ماضيه.
موسيقى البحر البسيط
نُظمت القصيدة على بحر البسيط، الذي منحها انسياباً عذباً وترديداً موسيقياً يتماوج بين الشكوى والابتهال. وقد أظهر كعب مهارة فائقة في المزج بين رقة الغزل ومهابة المدح، فجاءت قصيدته سهلة الحفظ، قوية الأثر، حتى غدت على كل لسان.
أثر السابقين وبصمة الجديد
تأثرت “بانت سعاد” بتراث كبار الشعراء كالأعشى والنابغة الذبياني وطفيل الغنوي، لكنها تفرّدت عنهم جميعاً لأنها جعلت من تقاليد القصيدة الجاهلية جسراً إلى مدح النبوة. وهنا سر خلودها: جمعُها بين نسيم الجاهلية ونور الرسالة.
إرث خالد في الذاكرة الأدبية
لم تلبث القصيدة أن أصبحت مرجعاً للشعراء والأدباء، فعُورضت بمعارضات لا تُحصى، أبرزها بردة البوصيري التي صارت توأمها في المدائح النبوية. كما نالت شروحاً تجاوزت الخمسين، منها اللغوي والبلاغي والصوفي، مثل “كنه المراد في بيان بانت سعاد“ للسيوطي، وشرح ابن هشام، وشرح الشيخ القدسي “الإسعاد“. ولم يقتصر أثرها على المدائح، بل امتد إلى التخميس والتشطير، بل حتى نظم العلوم الشرعية، مما يدل على مرونتها وثرائها الفني.
الشعر جندياً في موكب الدعوة
لم تكن “بانت سعاد” مجرد أبيات مدحٍ، بل كانت وثيقة حب وخوف، اعتذار ورجاء، غزل وتوبة. وفيها يتجلى وجه الدعوة الإسلامية وقد صاحبها الأدب، فصار الشعر جندياً من جنودها، والقافية سلاحاً في يد الكلمة الصادقة، والقصيدة جواز عبورٍ من الغواية إلى الهداية.
وهكذا، بقيت قصيدة كعب بن زهير بردةً من الكلمات، لا يقل بهاؤها عن بردة الصوف التي ألقاها النبي ﷺ على كتفيه، دليلاً على أن الكلمة حين تصدق تتحول إلى ميراث خالد في موكب الدعوة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأدب الإسلامي, بانت سعاد, كعب بن زهير



