![]()
بحران.. الغزوة التي صنعت حضوراً بلا دماء
لم تكن كل الغزوات في السيرة النبوية معارك صاخبة أو صفحات ملطخة بالدماء، بل إن بعضها كان أشبه ببيان سياسي مكتوب بخطوات على الرمال، يعلن حضور المسلمين في قلب الحجاز ويؤكد أن المدينة لم تعد معزولة عن محيطها. من بين تلك التحركات تبرز غزوة الفرع من بحران في السنة الثالثة للهجرة، حيث خرج النبي ﷺ في ثلاثمئة من أصحابه، حتى بلغ معدن بحران من ناحية الفرع، فأقام هناك أياماً ثم عاد دون أن يلقى قتالاً.
إرهاصات الغزوة
المدينة كانت آنذاك في طور التأسيس، محاطة بعيون قريش وحلفائها، والأنباء تتواتر عن تحركات بني سليم في منطقة بحران، وهي أرض ذات قيمة اقتصادية لكونها معدن الحجاز. هذه الأخبار لم تكن لتُترك بلا رد، فخرج النبي ﷺ بنفسه، ليؤكد أن القيادة النبوية لا تنتظر الخطر حتى يطرق الأبواب، بل تذهب إليه حيث يتشكل.
المسير إلى بحران
المسافة بين المدينة وبحران لم تكن مجرد طريق جغرافي، بل كانت رسالة استراتيجية. ثلاثمئة رجل يسيرون خلف النبي ﷺ، يقطعون الصحراء ليصلوا إلى قلب المنطقة، في مشهد يشي بالقوة والانضباط. استخلف النبي عبد الله بن أم مكتوم على المدينة، ليضمن استمرار الإدارة حتى في غيابه، وهو تفصيل يكشف عن وعي مبكر بمفهوم الدولة.
مقام بلا مواجهة
حين بلغ المسلمون بحران، لم يجدوا الجمع الذي بلغهم خبره، فقد تفرق قبل وصولهم. أقام النبي ﷺ هناك أياماً، وكأن المقام نفسه كان الهدف؛ حضور المسلمين في منطقة التعدين والتجارة، وإثبات قدرتهم على الوصول إلى أي بقعة في الحجاز. لم يكن القتال غاية، بل كان الردع هو المقصد، والرسالة وصلت دون أن تُسفك قطرة دم.
الدلالات التاريخية
غزوة الفرع من بحران، وإن بدت صغيرة في ظاهرها، تحمل دلالات كبيرة: أنها جزء من سياسة استباقية لحماية المدينة، وأنها تكشف عن طبيعة الغزوات النبوية التي لم تكن سعياً للحرب بل سعياً للأمن، وأنها مثال على أن التاريخ الإسلامي يُبنى أحياناً بخطوات هادئة لا بضربات السيوف.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحجاز, الردع الاستراتيجي, السنة الثالثة للهجرة, السيرة النبوية, بحران, بني سليم, غزوة الفرع



