![]()
الورع… صفاء الضمير وميزان التقوى
ثمة مقام رفيع لا يبلغه إلا من صفا قلبه وتطهر ضميره، مقام يجعل المرء يقف عند حدود الله فلا يتجاوزها، ويترفّع عن المشتبهات فلا يقربها، هو مقام الورع؛ مقام يزرع في النفس نورًا من الحذر، وفي القلب يقظةً من الغفلة، وفي السلوك ميزانًا يزن به المرء خطواته بين الحلال والحرام.
الورع ليس انطواءً عن الدنيا ولا تعطيلًا للمباحات، بل هو رقابة داخلية تحكم تصرفات المؤمن؛ أن يتحرى ما يرضي الله، ويترك ما قد يجر إلى الشبهة أو يورث ندامة. قال النبي ﷺ: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه» [رواه البخاري ومسلم]. فالورع إذن سياج يحمي الإيمان من الانزلاق، ويصون القلب من التلوث بما يعكر صفاءه.
وقد عرّف الجنيد الورع بقوله: «الورع ترك كل شبهة، والزهد ترك كل فضلة». وبيّن الإمام أحمد أن الورع هو الكف عن المحرمات والشبهات، فهو أوسع من الزهد، إذ يتعلق بدقة السلوك وصرامة الضمير، بحيث يعيش المؤمن بحساسية إيمانية تمنعه من اقتحام ما يريب.
والورع مراتب؛ أدناها ترك المحرمات الظاهرة، وأعلاها ترك ما لا بأس به خشية أن يجر إلى ما فيه بأس. وقد كان السلف الصالح أحرص الناس على ذلك، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وكانوا يعدون الورع عنوان صدق الإيمان، وبرهان صفاء القلب، وعلامة على تعظيم أوامر الله ونواهيه.
ولئن كان الورع في العصور الأولى يتجلى في تجنب الشبهات في المأكل والمشرب والمال، فإن حاجتنا إليه اليوم أشدّ، وسط عالم يموج بالمغريات وتتشابك فيه المصالح والملذات. الورع في زماننا يعني أن يحذر المسلم من الكسب المشبوه، ومن الانسياق وراء الشهوات المضللة، وأن يزن خطواته في فضاءٍ رقمي متخم بالانحرافات، فلا يطلق بصره إلا فيما يرضي الله، ولا يكتب كلماته إلا بما يبرئ ذمته، ولا يتعامل بماله إلا بما يطمئن إليه قلبه.
إن الورع ليس قيودًا تكبّل الإنسان، بل هو صمام أمان يحفظ نقاءه، ويمنحه صفاءً يجنّبه التشتت والاضطراب. هو نور يضيء للمرء الطريق حين تلتبس عليه المسالك، وهو الدليل الذي يرشده إلى برّ الأمان، ليخرج من الدنيا بقلب نقي وروح مطمئنة.
فيا من تبحث عن السكينة في زمن الفتن، الزم الورع يكن لك حصنًا من الانجراف، وتاجًا يحمي ضميرك من الخيانة، ودربًا يقودك إلى أن تسمع يوم الحساب النداء الأعظم: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً”
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الورع, مفاهيم, مفاهيم دينية, مفهوم الاخلاص



