![]()
النسوية وأجندة الغرب.. من تحرير المرأة إلى استعمار الوعي
النسوية وأجندة الغرب.. من تحرير المرأة إلى استعمار الوعي
في ظاهرها دعوة إلى الحرية، وفي باطنها مشروع لإعادة تشكيل الوعي الإنساني من بوابة المرأة. لم تكن النسوية يومًا مجرد صرخة احتجاج على واقع اجتماعي، بل تحوّلت إلى منظومة فكرية عميقة الجذور، متشابكة مع المشروع الغربي في بُعده الاستعماري والثقافي، تسعى لإعادة تعريف الأنوثة والرجولة والأسرة والشرائع ذاتها. إنها حرب ناعمة على الفطرة، تتزيّا بثوب “الحقوق” لتغرس في النفوس ملامح التمرد على أصل الخلق وسُنّة الله في الوجود.
جذور الهيمنة الفكرية
حين خرجت الحركة النسوية من رحم الغرب الحديث، خرجت متأثرة ببيئة مادية علمانية أقصت الدين عن تفسير الحياة. لم يكن هدفها في الأصل إنصاف المرأة بقدر ما كان هدفها تقويض النظام الديني الذي جعل الأسرة نواة المجتمع. ومع توسّع النفوذ الاستعماري الأوروبي، حملت النسوية معها خطابًا جديدًا يُصدّر مفاهيم “تحرير المرأة” و”تمكينها” إلى العالم الإسلامي، في محاولة لإضعاف البنية الاجتماعية التي كانت تمثل صمّام الأمان للأمة.
فالغرب لم يكتفِ بغزو الأرض، بل أراد أن يغزو العقول، وأن يستبدل الموازين الشرعية بموازين وضعية، حتى تغدو المرأة المسلمة نسخة من المرأة الغربية التي تاهت بين الحرية والانهيار الأسري. وبذلك أصبحت النسوية أداةً من أدوات الاستعمار الثقافي، تُغلف فكرها بمصطلحات براقة كالمساواة والكرامة وحق الجسد، لكنها في حقيقتها تُعيد إنتاج النموذج الغربي ذاته داخل مجتمعات لا تشبهه في قيمها ولا عقيدتها.
هندسة الوعي النسوي
لم تقتصر النسوية الحديثة على التنظير، بل تحولت إلى مشروعٍ مؤسساتي ترعاه منظمات دولية وتموله حكومات غربية. من خلال التعليم والإعلام والمنح الثقافية وبرامج “تمكين المرأة”، يجري تفكيك البنية الذهنية التي تستند إلى المرجعية الدينية. تُقدَّم القيم الغربية على أنها “كونية”، وتُوصف القيم الإسلامية بأنها “تقليدية” أو “ذكورية”.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى ما يُعرف في الفكر الغربي بـ “هندسة الوعي الجمعي”، أي إعادة صياغة المفاهيم الأساسية في أذهان الناس: ما معنى الحرية؟ ما معنى العدالة؟ ما معنى الجسد؟ وبذلك تنتقل النسوية من كونها حركة احتجاجية إلى منظومة ثقافية غازية، تُعيد رسم علاقة المرأة بدينها ومجتمعها ورجلها، حتى تصبح قناعاتها انعكاسًا للأيديولوجيا الغربية لا لثقافتها الذاتية.
التناقض مع الهوية الإسلامية
النسوية، في جوهرها، لا تلتقي مع الإسلام إلا في الشعارات. فبينما يكرّم الإسلام المرأة تكريمًا متوازنًا يراعي فطرتها ووظيفتها الحضارية، تسعى النسوية إلى إلغاء الفوارق الفطرية وطمس الحدود الشرعية بين الرجل والمرأة.
فالإسلام جعل العلاقة بين الجنسين تكاملية لا تنافسية، قائمة على المسؤولية المتبادلة، بينما تؤسس النسوية لعلاقة صراعٍ دائم تُختزل فيها المرأة إلى كائن مظلوم لا يُنصفه إلا التمرد على الشريعة.
وتتجلى خطورة هذا الفكر في أنه يعيد صياغة القيم بطريقة تنقلب فيها الفضيلة إلى قيد، والعفة إلى قهر، والطاعة إلى ضعف، في حين تُقدَّم الفوضى الأخلاقية على أنها تحرر من “السلطة الذكورية”. وهكذا تتحول النسوية في المجتمعات المسلمة إلى حصان طروادة ثقافي، يدخل من أبواب التعليم والإعلام وحقوق الإنسان، ليقوّض منظومة الإيمان والأسرة والحياء.
النسوية كأداة لاستعمار الوعي
المرأة في الفكر الغربي الحديث ليست كائنًا يُكرَّم، بل أداة لإعادة إنتاج السوق والاستهلاك. لذلك، حين تصدّر النسوية إلى العالم الإسلامي، فهي تصدّر نموذج المرأة المنفصلة عن الأسرة، المنشغلة بالجسد عن الرسالة، والمستقلة عن قيمها تحت شعار الحرية. هذه الصورة ليست بريئة، بل هي امتداد لسياسات الهيمنة التي تسعى لتجريد المجتمعات من مقومات الصمود.
ولأن الإسلام هو المنظومة الوحيدة التي تحفظ التوازن بين الروح والجسد، بين الحقوق والواجبات، فإن النسوية تمثل في جوهرها مواجهة فكرية مع الوحي نفسه، لا مع العادات أو التقاليد كما تدّعي. إنها محاولة لنزع السلطة التشريعية من النص الإلهي وإسنادها إلى “الضمير الإنساني”، وهو ما يجعلها مشروعًا له طابع عقدي بامتياز، يتجاوز المطالب الاجتماعية إلى إعادة تشكيل تصور الإنسان عن نفسه وربه.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التيارات الفكرية المعاصرة, الحركة النسوية, النسوية الليبرالية, النسوية في الإسلام, تحرير المرأة



