![]()
النسوية الراديكالية.. التمرد الكامل على الطبيعة
النسوية الراديكالية.. التمرد الكامل على الطبيعة
لم تكتفِ النسوية الراديكالية بالمطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة، بل تجاوزت ذلك إلى نقض الفكرة ذاتها التي يقوم عليها الوجود الإنساني في توازن الذكر والأنثى. إنها المرحلة التي تحوّل فيها الفكر النسوي من حركة اجتماعية إلى مشروعٍ فلسفي يسعى إلى تفكيك النظام الأبوي وإعادة صياغة العالم على أسسٍ جديدة ترى في الذكورة أصل القهر والهيمنة.
من المطالبة إلى الثورة
انبثقت النسوية الراديكالية في ستينيات القرن العشرين من رحم الموجة الثانية للنسوية، حين شعرت بعض الناشطات أن المطالب القانونية لا تكفي لتحرير المرأة من “الهيمنة الذكورية الممنهجة”. فدعت رائدات هذا الاتجاه — مثل كيت ميليت في كتابها السياسة الجنسية وجيرمين غرير في الأنثى المخصية — إلى ما سُمي بـ “الثورة الأنثوية”، معتبرات أن كل مؤسسة اجتماعية أو دينية أو لغوية هي أداة لاستمرار القهر الذكوري.
من هنا جاء شعارهن الأشهر: “الخاص هو السياسي”، أي أن السيطرة الذكورية تمتد إلى الجسد والعلاقات والعواطف، ولا بد من تحرير المرأة من قيود الزواج والأمومة والدين كي تبلغ ذاتها الحقيقية.
تفكيك الأسرة والدين
رأت النسوية الراديكالية في الأسرة التقليدية مؤسسة قمعية تُكرّس استعباد المرأة عبر الأدوار النمطية للأم والزوجة. وذهبت بعض رموزها إلى أن الزواج في ذاته آلية استعباد تُخضع المرأة لسلطة الرجل، وأن الأمومة ليست نداءً فطريًا بل “وظيفة مفروضة اجتماعيًا”.
ولم تسلم الأديان من سهام هذا التيار، إذ اعتبرت المنظومات الدينية — وبخاصة المسيحية واليهودية — البنية الفكرية التي كرست دونية المرأة، فدعت إلى علمنة الحياة الخاصة وفصلها تمامًا عن أي مرجعية أخلاقية أو إيمانية. وهكذا تحوّل الخطاب النسوي الراديكالي من نقد اجتماعي إلى هدم معرفي للفطرة البشرية.
الجسد كرمز للتحرر
أعادت الراديكاليات تعريف الجسد الأنثوي بوصفه ساحة صراعٍ سياسي، فرفضن المعايير الجمالية التي وضعها “النظام الأبوي”، واعتبرن العفة والحجاب والحياء رموزًا لاستعبادٍ رمزي. وبرزت في هذه المرحلة حركة النسوية الجندرية التي أنكرت الفوارق الطبيعية بين الجنسين، وعدّتها بناءً ثقافيًا يمكن تفكيكه أو تغييره.
وفي سياق هذا التمرد، برزت الدعوات إلى حرية العلاقات الجنسية، وإلى اعتبار المثلية حقًا مشروعًا لا ينبغي تجريمه، بل شكلًا من أشكال التعبير عن الذات الأنثوية المستقلة.
النسوية الراديكالية والهوية الجديدة
تحوّل هذا التيار لاحقًا إلى قاعدة فكرية لتيارات ما بعد الحداثة، التي رأت أن الهوية نفسها ليست ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل تبعًا للرغبة. فكانت النظرية الكويرية (Queer Theory) امتدادًا طبيعيًا للنسوية الراديكالية، إذ نزعت عن الإنسان أي مرجعية فطرية، وحولت الجنس إلى اختيارٍ فردي متغير لا تحكمه طبيعة ولا غاية.
رؤية نقدية
لقد مثّلت النسوية الراديكالية ذروة الانفصال بين الفكر الغربي والفطرة الإنسانية، إذ اختزلت علاقة الرجل بالمرأة في صراع قوى لا شراكة وجود، فحوّلت “تحرير المرأة” إلى مشروعٍ لخلخلة منظومة الأسرة والمجتمع. وبينما دعت إلى تحرير الأنثى من القهر، قيدتها بأغلال الأيديولوجيا، فصارت أسيرة خطابٍ يرى في أنوثتها عبئًا يجب تجاوزه لا نعمةً يجب صونها.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التحرر الجنسي, النسوية, تفكيك الأسرة, تيار النسوية



