![]()
النسوية الجندرية.. التمرد على تعريف الإنسان
إذا كانت النسوية الراديكالية قد تمرّدت على الأسرة والدين، فإن النسوية الجندرية ذهبت أبعد من ذلك، فتمردت على الطبيعة ذاتها، وأنكرت أن يكون للجنس أي أساسٍ بيولوجيٍّ ثابت. إنها المرحلة التي تحوّلت فيها قضية المرأة من مطالبةٍ بالمساواة إلى إعادة تعريف الإنسان.
من النسوية إلى الجندر
ظهر مفهوم الجندر (Gender) في سبعينيات القرن العشرين، متأثرًا بالتيارات البنيوية وما بعد الحداثة، حيث صاغت الباحثة الأمريكية جوديث بتلر أطروحتها الشهيرة في كتاب اضطراب الجندر عام 1990، لتعلن أن الهوية الجنسية ليست حقيقة بيولوجية بل “بناءٌ اجتماعي” يمكن تغييره عبر الثقافة والخطاب والتربية.
وبهذا التصور، لم تعد الأنثى أنثى بحكم طبيعتها، ولا الذكر ذكرًا بتكوينه، بل كليهما نتاج أدوارٍ فرضها المجتمع يمكن هدمها وإعادة تشكيلها. لقد انتقل الفكر النسوي من مواجهة الرجل إلى نقض الثنائية الجنسانية برمتها.
الجسد بوصفه لغة قابلة لإعادة الكتابة
ترى النسوية الجندرية أن الجسد ليس جوهرًا ثابتًا، بل “نصٌّ مفتوح” يُعاد تفسيره من خلال الممارسة والسلوك والرغبة. فالأنوثة والذكورة في هذا المنظور ليستا حقيقتين طبيعيتين، بل أدائين اجتماعيين يكتسبهما الفرد عبر التكرار.
ومن هنا برزت مصطلحات مثل التحوّل الجنسي والهوية الجندرية واللا ثنائية، لتتحول القضايا الأخلاقية والبيولوجية إلى خياراتٍ ذاتية، يملك كل إنسانٍ حق تقريرها بمعزلٍ عن الدين أو العلم أو الفطرة.
تفكيك اللغة والدين والأسرة
لم تكتفِ النسوية الجندرية بنقض المفاهيم الطبيعية للجنس، بل سعت إلى تفكيك اللغة التي تعبّر عن الذكورة والأنوثة، فطالبت بتغيير الضمائر والألفاظ في الخطاب اليومي والمؤسسات الرسمية، وعدّت اللغة ذاتها أداة للهيمنة الذكورية.
كما رأت في النصوص الدينية “خطابًا مُقنّعًا للسلطة الذكورية”، فعملت على إعادة قراءتها من منظورٍ نسويٍّ معاصرٍ يُسقط دلالاتها الفطرية. أما الأسرة، فقد صُوِّرت باعتبارها بنيةً تاريخية قابلة للتجاوز، ليُستبدل بها مفهوم “الشراكة الجندرية”، حيث تُلغى الأدوار الفطرية للأمومة والأبوة.
الجندر في المنظومة الغربية المعاصرة
مع صعود الحركات الحقوقية في الغرب، تسللت مفاهيم الجندر إلى المنظمات الدولية ومقررات الأمم المتحدة، وأُدرجت ضمن سياسات التعليم والتوظيف والمناهج المدرسية. وغدت الدعوة إلى “المساواة الجندرية” شعارًا عالميًا يُخفي خلفه مشروعًا لإعادة هندسة الإنسان والمجتمع وفق رؤيةٍ ماديةٍ محضة.
فلم يعد المقصود بالمساواة تمكين المرأة، بل إزالة الفوارق الطبيعية بين الجنسين، واعتبار كل تمييزٍ على أساس النوع جريمة فكرية تستوجب الإدانة. وهكذا تحولت الفطرة إلى “قيدٍ ثقافي” ينبغي كسره باسم الحرية.
بين الحرية والعبث
تكمن خطورة النسوية الجندرية في أنها لا تكتفي بتغيير المفاهيم الاجتماعية، بل تسعى إلى إلغاء معنى الخلق ذاته، إذ تنكر أن يكون الإنسان مخلوقًا على صورة محددة لحكمةٍ إلهية. فهي ترفع شعار الحرية المطلقة، لكنها تنتهي إلى العدم؛ إذ تذيب الإنسان في دوامة من الاختيارات المتناقضة التي تفقده هويته ومعناه.
لقد بلغ الفكر الغربي بهذه النظرية ذروة القطيعة مع الفطرة، حين جعل من الجنس بناءً لغويًا لا بيولوجيًا، ومن الهوية حالةً متبدلة لا ثبات لها، حتى صار الإنسان غريبًا عن نفسه، متشظيًا بين خطاب الحرية ومأزق الوجود.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | النسوية الجندرية, جوديث بتلر, ما بعد الحداثة, نظرية الجندر



