![]()
المقدمة الطويلة المسجوعة.. حين يطغى اللفظ على المعنى
المقدمة الطويلة المسجوعة.. حين يطغى اللفظ على المعنى
من أبلغ ما قيل في فن الخطابة أن الخطيب الناجح هو من يملك زمام الكلمة دون أن تستعبده، وأن البلاغة الحقيقية ليست في زخرفة الألفاظ بل في وصول المعنى إلى القلوب. ومن أبرز العيوب التي تُضعف أثر الخطبة وتُفقدها حرارة الرسالة الإطالة في المقدمة مع الإفراط في السجع والتكلف اللفظي، وهو خطأ شائع بين كثير من الخطباء والوعاظ.
أولًا: المقدمة الطويلة تقتل حرارة الموضوع
المقدمة ليست الغاية من الخطبة، بل هي جسرٌ للعبور إلى الفكرة الرئيسة، فإذا طال الجسر ضاع الطريق. والخطيب الذي يطيل في الافتتاح يُنهك انتباه السامعين قبل أن يدخل إلى صلب الموضوع، فتفتر هممهم، ويتحول الاستماع إلى ملل.
إن طول المقدمة يُضعف الإيقاع النفسي للخطبة، ويجعل الجمهور ينتظر الخلاصة دون شغف، فيضيع بذلك عنصر التشويق الذي تقوم عليه البلاغة الخطابية.
ثانيًا: السجع المصنوع يُضعف الصدق ويشتت الانتباه
السجع في ذاته أسلوبٌ جميلٌ إذا جاء عفويًا، لكنه إذا فُرض على النص قسرًا، تحوّل إلى زينة زائفة تحجب المعنى الحقيقي.
فالمستمع حين يسمع الخطيب يسجع في كل جملة، يشعر وكأنه أمام شاعرٍ يتباهى بلفظه، لا مصلحٍ يبلّغ رسالة. وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“تكلف السجع في الدعاء أو الخطاب يقطع الخشوع ويُذهب الإخلاص.”
والخطيب الذي يكثر من السجع يصرف الأذهان عن الفكرة إلى اللفظ، فينشغل الجمهور بإعجابٍ لغويٍّ مؤقتٍ، ويغيب المقصود الدعوي والوعظي.
ثالثًا: التكلف يُفقد الخطبة روحها
الخطابة في أصلها موقف صدقٍ ومشاعر حيّة، فإذا غلب عليها التصنع والتكلف، مات فيها الصدق، وضعف تأثيرها.
فاللغة التي تُقال من القلب تصل إلى القلب، أما اللغة التي تُصاغ للزخرفة فلا تتجاوز السمع. والخطيب الذي يحمّل مقدمته أسجاعًا مطنبة وألفاظًا متكلفة، يبتعد عن روح الخطابة النبوية التي كانت تقوم على البساطة والوضوح والإخلاص.
رابعًا: ضياع التوازن بين الشكل والمضمون
البلاغة الحقة توازن بين جمال العبارة وصدق الفكرة، أما حين تطغى الزخرفة اللفظية، فإن المضمون يُصبح تابعًا للشكل، فتفقد الخطبة قوتها التعليمية والتربوية. والمقدمة المسجوعة الطويلة كثيرًا ما تستهلك الوقت دون أن تقدم معنى جوهريًا، فيتحول المنبر من منارة هداية إلى ساحة استعراض لغوي.
إن خير الخطابة ما كان موجزًا بليغًا صادقًا، يفتح القلب للرسالة لا للكلمة، ويُهيئ النفوس لتلقّي المعاني دون إملالٍ أو تصنع. فالخطيب البارع ليس من يدهش الناس بجمال اللفظ، بل من يأخذ بأيديهم إلى جمال الحق.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | السجع في الخطبة, بلاغة الخطيب, تطور فن الخطابة, فن الخطابة



