![]()
المقاصد الشرعية.. روح التشريع وميزان الحكمة
حين نقرأ النصوص الشرعية في القرآن والسنة، نجد أنها لم تُبنَ على أحكام جزئية متفرقة فحسب، بل تنتظمها حكمة عليا وروح جامعة، هي ما يُعرف بـ مقاصد الشريعة. إنها البوصلة التي تهدي الفقيه إلى الصواب، وتفتح للمسلم نافذة على المعنى العميق للتكليف، فلا ينشغل بالقوالب عن الغايات، ولا بالأشكال عن الجوهر.
معنى المقاصد الشرعية
المقاصد هي الغايات والمرامي التي قصدها الشارع الحكيم من تشريع الأحكام. وهي ليست اجتهادًا بشريًا محضًا، بل مستنبطة من النصوص القطعية التي تكشف أن الشريعة جاءت لحفظ مصالح العباد في دينهم ودنياهم، ودفع المفاسد عنهم، في توازن بديع بين الفرد والجماعة، بين الدنيا والآخرة.
وقد لخّص العلماء هذه المقاصد في خمس كليات كبرى: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال. وهي أركان تُقيم صرح الحياة الإنسانية، فإذا اختلّ واحد منها فسد نظام المجتمع.
أهمية المقاصد في الفقه
إدراك مقاصد الشريعة يجعل الأحكام أوضح وأقرب إلى الواقع. فحين نعلم أن مقصد حفظ النفس أساسٌ في التشريع، نفهم الحكمة من تحريم القتل وتجريم الاعتداء، ومن تشريع القصاص والديات، ومن إباحة التداوي، بل ومن جواز التيمم عند الخوف من الضرر.
وحين نعلم أن مقصد حفظ العقل من ركائز الدين، ندرك سرّ تحريم الخمر والمخدرات وكل ما يغيّب العقل، لأن العقل هو أداة التكليف ومناط المسؤولية.
وهكذا مع سائر المقاصد، يتضح أن كل حكم شرعي ليس منعزلًا، بل متصل ببنية كبرى من الحكم والمصالح.
بين النص والمصلحة
فقه المقاصد لا يُغني عن النصوص ولا يستقل عنها، بل هو خادم لها ومفسر لحكمتها. فالمرجع الأول هو الوحي، والمقاصد تكشف عن حكمته وتفتح باب تنزيله على الواقع. ومن هنا كان الفقيه المقاصدي أقدر على التعامل مع النوازل والمستجدات، لأنه ينظر في النص بعين، وفي مصلحة الناس بعين أخرى، فيربط بينهما بميزان العدل والرحمة.
المقاصد والواقع المعاصر
في عالم اليوم، حيث تتجدد الأسئلة وتتعقد الحياة، يبرز فقه المقاصد كجسر يربط بين أصالة النص وحداثة الواقع. فمقصد حفظ المال يرشدنا إلى فقه الاقتصاد وضبط المعاملات المالية الحديثة، ومقصد حفظ النفس يوجّه إلى تشريعات السلامة والرعاية الصحية، ومقصد العدل يضيء سُبل الحكم الرشيد وحقوق الإنسان.
إن المقاصد ليست ترفًا فكريًا، بل هي روح الشريعة التي تجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وتجعل المسلم يعيش دينه بروح متجددة تدرك أن كل حكم فيه رحمة، وكل تكليف فيه حكمة، وأن الله ما شرع شيئًا إلا لمصلحة خالصة أو راجحة لعباده.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أهمية فقه المقاصد, الفقه الإسلامي, فقه المقاصد



