![]()
المقارنة بين منهج البخاري ومسلم في الصحيحين
يُعَدّ “الجامع الصحيح” للإمام البخاري و”المسند الصحيح” للإمام مسلم قمّة ما خلّفه علماء الحديث من ذخائر علمية، وهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله عز وجل. ورغم اشتراك الإمامين في هدف واحد وهو جمع الأحاديث الصحيحة وفق قواعد صارمة، إلا أن منهجيهما في التصنيف والانتقاء قد اختلفا في تفاصيل دقيقة، تُظهر عمق اجتهادهما وتنوّع مسالكهما في خدمة السُّنَّة.
والمقارنة بين منهجي البخاري ومسلم تكشف لنا عن عبقرية كلٍّ منهما، وتنوّع مسالكهما في سبيل الحفاظ على حديث رسول الله ﷺ. فالبخاري قدّم نموذجاً في الصرامة الفقهية والدقة النقدية، بينما قدّم مسلم أنموذجاً في الجمع والترتيب والتنظيم. والدارس لهذين الصحيحين يقف على مدرسةٍ حديثية متكاملة، بها يطمئن قلبه، ويزداد يقينه بخلود السنة وصيانتها.
أولاً: شروط الحديث الصحيح
- البخاري: اشترط اللقاء والمعاصرة معاً، فلا يكتفي بمجرد احتمال السماع، بل لا يقبل الحديث إلا إذا تحققت رواية الثقة عن الثقة مع ثبوت اللقاء المباشر.
- مسلم: اكتفى بالمعاصرة مع إمكان السماع، وإن لم يثبت اللقاء، ما دام الراوي ثقةً ضابطاً.
وهذا جعل شرط البخاري أشدّ صرامة، بينما وسّع مسلم الدائرة بعض الشيء مع بقاء الحديث على شرط الصحة.
ثانياً: ترتيب الكتاب وصياغته
- البخاري: رتّب كتابه على الأبواب الفقهية، فجاء كتابه موسوعة فقهية وحديثية في آنٍ واحد، وأحياناً يذكر الحديث في أكثر من موضع استنباطاً لأحكام متعددة.
- مسلم: رتّب كتابه على المسانيد الموضوعية، فجمع الأحاديث تحت الباب الواحد، ولم يُكرِّر الحديث إلا نادراً، فجاء كتابه أكثر إحكاماً في الترتيب وأقرب إلى التنظيم المنهجي.
ثالثاً: التكرار والاختصار
- البخاري: أكثر من التكرار، لكنه قد يورد الحديث بلفظٍ، ثم يورده بلفظ آخر، أو بسند مختلف، لإبراز دقة العلل وتعدد الطرق.
- مسلم: قلَّل من التكرار، لكنه يورد جميع طرق الحديث وألفاظه دفعة واحدة تحت باب واحد، فيُبرز بذلك اختلاف الروايات واتفاقها.
رابعاً: الأبواب والعناوين
- البخاري: وضع تراجم دقيقة في أبوابه، تحمل معاني فقهية وإشارات اجتهادية، حتى قال العلماء: “فقه البخاري في تراجمه”.
- مسلم: لم يهتم بالتراجم بنفس القدر، بل اقتصر على جمع الروايات وتنظيمها، فجاء عمله أقرب إلى الجانب الحديثي الخالص.
خامساً: موقف العلماء من الصحيحين
اتفق جمهور العلماء على أن صحيح البخاري أصحّ وأعلى مرتبة، نظراً لصرامة شرطه. بينما تميّز صحيح مسلم بسهولة التناول وحسن الترتيب، مما جعله أكثر تيسيراً للدارسين. وبذلك يكمل كلٌّ منهما الآخر، ليشكلا معاً حصناً راسخاً للسنة النبوية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | صحيح البخاري, صحيح مسلم, كتب علم مصطلح الحديث



