![]()
المسح على الجبيرة..
منهج الرحمة بالمصابين في فقه الطهارة
المسح على الجبيرة..
منهج الرحمة بالمصابين في فقه الطهارة
لا يتوقف الفقه الإسلامي عند حدود الألم الجسدي، بل يمدّ يده ليواسي الروح، ويمنحها طريقاً إلى الطهارة والعبادة دون مشقة. هنا، في هذا المفصل الدقيق بين الضرورة والعبادة، يبرز حكم المسح على الحبيرة، أو ما يُعرف بالجبيرة، كأحد أبهى صور التيسير في الشريعة الإسلامية. ليس الأمر مجرد رخصة، بل هو تجلٍّ لرحمة الشريعة التي لا تُعطّل فريضة، ولا تُثقل كاهل المكلّف، بل تفتح له أبواب الطهر، ولو كان جسده مضمّداً بالجراح.
فقه الضرورة: حين يتكلم الألم بلغة الشريعة
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جواز المسح على الجبيرة، سواء في الوضوء أو الغُسل أو التيمم، إذا كانت تغطي موضعاً مصاباً لا يمكن غسله دون ضرر أو مشقة، فالمسح هنا ليس ترفاً، بل ضرورة شرعية، تُقاس على المسح على الخفين، بل هو أولى منه، لأن الحاجة إليه أشد، والضرورة فيه أظهر. وقد استندوا في ذلك إلى حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين انكسرت يده، فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبيرة، فكان هذا الحديث أصلاً في هذا الباب، ودليلاً على أن الشريعة لا تُعطّل الطهارة، بل تُكيفها مع حال العبد.
شروط المسح: بين الضماد والعبادة
ليكون المسح على الحبيرة مشروعاً، اشترط الفقهاء شروطاً دقيقة، منها أن توضع الجبيرة على طهارة، ما لم يتعذر ذلك، وأن تكون الحاجة إليها قائمة، وأن لا تتجاوز موضع الحاجة إلا بقدر الضرورة، كما لا يُشترط أن تكون من مادة معينة، بل تصح من أي شيء يحقق الغرض الطبي، سواء كانت من قماش أو جبس أو غيره. ولا يُشترط لها توقيت معين، بخلاف الخفين، فتبقى الجبيرة ما دامت الحاجة قائمة، ولا يُشترط نزعها إلا بعد زوال العذر.
صفة المسح: بللٌ على بلسم
المسح على الحبيرة يكون بأن يُمرّ الماء على ظاهرها، دون الحاجة إلى غمرها أو إيصال الماء إلى ما تحتها. ويكفي أن يكون المسح ببلل اليد، لا أن يُغمر العضو، لأن المقصود هو التخفيف، لا التعذيب. وإذا سقطت الجبيرة قبل برء الجرح، ولم يكن في غسله ضرر، وجب غسل الموضع، أما إن كان في غسله ضرر، فالتيمم هو البديل المشروع.
بين المسح والغسل: فقه التوازن بين الظرف والمقصد
من المسائل الدقيقة أن المسح على الجبيرة لا يُجمع مع المسح على الخف في عضو واحد، بل يُغسل الصحيح ويُمسح على المصاب. وهذا التوازن بين الغسل والمسح، بين الأصل والبديل، هو ما يجعل الفقه الإسلامي فريداً في قدرته على التكيّف مع أحوال الناس، دون أن يُفرّط في مقاصده. فالمسح على الحبيرة ليس خروجاً عن الأصل، بل هو عودة إلى الأصل من طريقٍ آخر، طريقٍ مفروشٍ بالرحمة، وممهّدٍ بالحكمة.



