![]()
“المتواتر” في علوم الحديث المعنى والدلالة
المتواتر في اللغة مأخوذ من التتابع والتوالي، يقال: تواتر المطر إذا جاء متصلاً بعضه إثر بعض. أما في الاصطلاح فهو: الحديث الذي يرويه جمعٌ غفير من الرواة في كل طبقة من طبقات السند، بحيث يُستحيل عادةً أن يتواطؤوا على الكذب، فيَبلغ الخبر درجة اليقين والقطع. هذا التعريف كان ثمرة جهد طويل لعلماء الحديث والأصوليين، الذين سعوا إلى تمييز مراتب الأخبار وضبط حجيتها.
شروط الحديث المتواتر
حدد العلماء شروطًا دقيقة حتى يُحكم على الخبر بأنه متواتر:
عدد الرواة: أن يرويه جمع كبير في كل طبقة، وإن لم يتفقوا على عدد محدد. فذهب بعضهم إلى أن أقل التواتر أربعة، وآخرون قالوا عشرة، بينما اكتفى جمهور المحدثين بالضابط: أن يُحيل العقل تواطؤهم على الكذب.
استمرار الكثرة: لا يكفي وجود العدد الكبير في طبقة واحدة، بل يجب أن يتكرر ذلك في جميع طبقات السند.
الاستناد إلى الحس: فلا بد أن يكون الخبر عما شوهد أو سُمِع، لا مجرد اجتهاد أو رأي.
استحالة التواطؤ: وهو الضابط الأهم، حيث تُستبعد عادةً إمكان اتفاق هذا الجمع على الكذب أو الوهم.
أنواع التواتر
قسّم العلماء التواتر إلى قسمين:
تواتر لفظي: وهو ما تواتر لفظه ومعناه معًا، مثل حديث: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
تواتر معنوي: وهو أن تتعدد الأحاديث المختلفة الألفاظ والمتفقة في المعنى، مثل أحاديث رفع اليدين في الدعاء، أو أحاديث شجاعة الإمام علي رضي الله عنه.
مكانة المتواتر في العقيدة والفقه
للمتواتر أهمية عظمى، إذ يفيد العلم اليقيني القطعي، ولذلك اعتمد عليه العلماء في مسائل العقيدة الكبرى، مثل: رؤية الله في الجنة، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل القرآن الكريم. كما احتج به الفقهاء في بعض الأحكام الشرعية التي استندت إلى أخبار تواترت نصًا أو معنى.
الخلفية التاريخية للبحث في التواتر
منذ القرن الثاني الهجري، برز النقاش حول الفرق بين أخبار الآحاد والمتواتر. فالأئمة كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل أكدوا على حجية خبر الآحاد في الفروع العملية، بينما شدد علماء الكلام والمتكلمون على حصر مسائل الاعتقاد بما هو متواتر. هذا الجدل ساعد في صقل المفاهيم وإحكام الضوابط، حتى استقر مصطلح “المتواتر” على صورته التي بين أيدينا.
الدلالة التربوية والمعاصرة
لا يقتصر مصطلح المتواتر على كونه أداة في علم الحديث، بل هو درس تربوي للمسلم المعاصر، يذكّره بضرورة تحرّي المصادر الموثوقة في زمن تكثر فيه الشائعات والأخبار الزائفة. فكما لم يقبل علماء الأمة في أمور العقيدة إلا ما كان ثابتًا يقينيًا متواترًا، كذلك على المسلم في عصر الإعلام الرقمي أن يزن الأخبار بميزان اليقين، وألا ينجرف وراء الظنون.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحديث الشريف, الحديث الضعيف, المتواتر في الحديث الشريف, غريب الحديث الشريف



