![]()
المادية الجدلية.. حين جعل ماركس التاريخ صنمًا والإنسان أداة
المادية الجدلية.. حين جعل ماركس التاريخ صنمًا والإنسان أداة
في منتصف القرن التاسع عشر، ظهر كارل ماركس ليُعلن أن سرّ التاريخ ليس في الإيمان ولا في القيم، بل في المادة وحدها. هكذا وُلدت المادية الجدلية، التي حوّلت الوجود الإنساني إلى صراعٍ اقتصادي، وجعلت الإنسان تابعًا لعلاقاته الإنتاجية لا لسَموّه الروحي.
لقد أراد ماركس أن يُنقذ الإنسان من استغلال الإنسان، فإذا به يسلبه إنسانيته باسم العدالة.
أصول المادية الجدلية
تقوم الماركسية على ركيزتين أساسيتين: المادية والجدلية.
فالمادية تعني أن العالم ليس إلا مادةً في حركةٍ أبدية، وأن الفكر والوعي انعكاسٌ لتطورها. أما الجدلية فهي قانون الصراع والتناقض الذي يُفسّر حركة التاريخ.
في نظر ماركس، التاريخ ليس تدبيرًا إلهيًا ولا سعيًا أخلاقيًا، بل صراع طبقي بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها. ومن هذا الصراع تنشأ الأنظمة الاجتماعية والوعي الإنساني نفسه.
الإنسان في ميزان المادية الماركسية
في هذه الرؤية، يُختزل الإنسان إلى كائنٍ اقتصادي، تتحكم به البنية المادية للمجتمع. فالفكر عنده تابعٌ للاقتصاد، والدين انعكاسٌ لحاجة الطبقات المقهورة إلى الوهم. قال ماركس عبارته الشهيرة: “الدين أفيون الشعوب“، يقصد أنه وسيلةٌ لتخدير الناس وقبولهم بالاستغلال.
وهكذا تحوّل الإنسان في الماركسية من خليفةٍ لله في الأرض إلى أداةٍ إنتاجيةٍ في منظومةٍ صمّاء تحكمها المادة.
مأزق الفكر الماركسي
أخطأ ماركس حين ظنّ أن الاقتصاد هو مفتاح التاريخ، فالحضارات لا تُبنى بالمصانع وحدها، بل بالعقيدة والأخلاق والعلم. وقد أثبت الواقع أن المجتمعات التي سارت على خطاه انتهت إلى أنظمةٍ شموليةٍ خانقة، قتلت الحرية باسم العدالة، وصادرت الإيمان باسم المساواة.
لقد نسي ماركس أن الإنسان ليس فقط “ما يأكل”، بل “ما يؤمن به”، وأن الجوع لا يزول حين تُشبع البطون فحسب، بل حين تُروى الأرواح بالمعنى.
الإسلام والعدالة الحقيقية
الإسلام لا يُنكر الصراع الطبقي، لكنه يُعالج جذوره بالعدل لا بالثأر، وبالإصلاح لا بالانقلاب. فهو يُقرّ الملكية الفردية، ويوازنها بالتكافل الاجتماعي والزكاة، فلا يُترك الفقير في العراء ولا يُصادر الغني حقه.
قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، وهي قاعدةٌ أسمى من كلّ شعارٍ ماديٍّ أو اشتراكيٍّ.
كما يجعل الإسلام من العمل عبادة، ومن الثروة أمانة، ومن العدل فريضة، فلا يُقيم المجتمع على الكراهية بل على الرحمة.
سقوط المادية وبقاء الإنسان
مع انهيار الاتحاد السوفييتي سقطت الماركسية كنظامٍ، لكنها بقيت كفكرةٍ تُراود العقول الناقمة على الظلم. غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن المادة وحدها لا تُقيم عدلًا ولا تُنبت حضارة.
إن العدل الحقيقي لا يُصنع في المصانع بل في القلوب، ولا تُنشئه الدولة وحدها بل الضمير.
فالمادية الجدلية أغفلت الروح، والإسلام يُعيدها إلى مكانها الأصيل، فيجعل من الإنسان سيد المادة لا عبدها، ومن التاريخ طريقًا للحق لا سجلاً للصراع.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الصراع الطبقي, المادية الجدلية, الماركسية, ماركس



