![]()
الكلمة الطيبة.. ميراث الأنبياء وزاد المصلحين
الكلمة الطيبة.. ميراث الأنبياء وزاد المصلحين
الكلمة الطيبة.. ميراث الأنبياء، وزاد المصلحين
منذ أن خط الإنسان أولى كلماته على صفحة الوجود، ظل للكلمة سلطانها الذي لا يُبارى؛ فهي تُحرّك العقول، وتُثير المشاعر، وتبني الحضارات أو تهدمها. ولذا لم يكن غريبًا أن تكون أولى آيات الوحي كلمةً تأمر بالقراءة: “اقرأ“؛ إيذانًا بأن الدعوة ستتخذ من البيان سلاحها، ومن الكلمة الطيبة جسرها إلى القلوب. فالرسالة الإسلامية وُلدت في حضن الكلمة، واستمرت عبر التاريخ تحملها ألسنة الدعاة، وأقلام الأدباء، وخطب الخطباء، وأناشيد الشعراء.
إن الأدب ليس زينةً للحياة ولا ترفًا للعقول، بل هو روحٌ تبعث في الدعوة حرارةً وجاذبية، فيحوّل الموعظة من خطاب جاف إلى أنشودة تسري في النفوس وتستقر في الضمائر. وما الدعوة إلا خطاب للقلوب والعقول، وما الأدب إلا لغة هذه الخطاب وجرسه العذب.
الكلمة الطيبة ميراث الأنبياء، وزاد المصلحين، ورفيق الدعوة في مسيرتها الطويلة. فإذا سُقِيت بصدق الإيمان، وزُيّنت ببلاغة الأدب، صارت نورًا يهدي في ظلمات الفتن، وقوةً تبني ولا تهدم، وحياةً تُبعث في أمة تبحث عن المعنى والقدوة. وهكذا يظل الأدب جسرًا موصولًا بين السماء والأرض، تنزل عبره الهداية إلى القلوب، وتسمو به الأرواح في موكب الإيمان.
الكلمة في القرآن والسنة
أعلى القرآن الكريم من شأن الكلمة، فجعلها طيبة كشجرة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وجعلها أيضًا خبيثة كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. فالكلمة إذن إمّا أن تكون حياةً للأمة أو موتًا لها.
وفي السنة النبوية جاء التأكيد على هذا المعنى، إذ قال رسول الله ﷺ: “الكلمة الطيبة صدقة“، ليُعلّم الأمة أن للكلمة وظيفة تربوية ودعوية لا تقل أثرًا عن المال والبذل. فقد كان ﷺ إذا خطب هزّ القلوب ببيانه، وأثّر في السامعين بجلال لفظه وبساطة معناه. ولم تكن خطبه خطبًا طِوالًا، لكنها كانت تبلغ القلوب لأنها صادرة من قلب ممتلئ باليقين، ومن لسان صدقٍ لا يعرف الزيف.
الأدب في صدر الإسلام: الكلمة جندي من جنود العقيدة
حين واجه المسلمون في بدايات الدعوة سهام الشرك والاستهزاء، لم يقابلوها بالسيوف وحدها، بل بالكلمات أيضًا. فجعل النبي ﷺ من الشعر درعًا يذبّ عن العقيدة، وقال لحسان بن ثابت: “اهجهم وروح القدس معك“. فكان شعره سلاحًا يردّ على أعداء الإسلام، ووسيلة يغرس بها الإيمان في قلوب المستضعفين.
وهكذا صار الأدب جنديًا من جنود الدعوة، يُقيم الحجة على الخصوم، ويثبت المؤمنين على الحق، ويُبشّر الأمة بالنصر. ولم يكن الشعر وحده في الميدان، بل الخطابة والرسائل والقصص القرآني، كلها التقت لتشكّل خطابًا أدبيًا دعويًا، يربط الأمة بخالقها ويقودها في دروب الحياة.
الأدب والوجدان الإسلامي عبر العصور
ما لبثت الأمة أن دخلت عصورها المتعاقبة حتى ظل الأدب حاضرًا في خدمة الدعوة. فقد كتب الجاحظ رسائله مزدانة بالحكمة، يجمع فيها بين عمق الفكر وسلاسة الأسلوب، فكان يُقنع العقول ويؤثر في النفوس. وكان العلماء والخطباء يُدركون أن البيان إذا لم يتزيّن بالأدب صار جافًا لا يثمر، وأن المعنى الحق إذا لم يُكسَ بحُلّة بليغة فقد بريقه.
ولم تخلُ كتب التراث من نماذج تربوية أدبية؛ فالوصايا والرسائل والمواعظ والأمثال، كلها كانت أبوابًا للأدب الذي يخاطب القلب بلغة الدعوة. وحتى في عصور الفتن والانحطاط، بقي للأدب أثره في إحياء الروح، وإبقاء جذوة الإيمان حيّة في القلوب.
قوة الأدب في مواجهة التحديات
في عصرنا الحاضر، حيث تتزاحم الأصوات وتتنافس الخطابات، يبقى للأدب دوره في أن يُعيد للكلمة بريقها، وأن يجعل الدعوة قادرة على النفاذ إلى وجدان الجيل الجديد. فالعقول المعاصرة قد تملّ الشرح المباشر، لكنّها لا تملّ من قصة بليغة، أو شعر صادق، أو مقال يحمل الحكمة في ثوب الأدب.
فإذا استثمرت الدعوة طاقة الأدب، وأُحسن توجيهها، صارت الكلمة الطيبة رسالةً عابرة للحدود، تخترق الحواجز الفكرية والنفسية، وتبني جسورًا بين القلوب المؤمنة.
بين الجمال والرسالة
الأدب الدعوي هو التقاء الجمال بالرسالة. فإن اكتفى بالجمال ضاع أثره، وإن خلا من الجمال نفر الناس منه. أما إذا اجتمع البيان العذب مع المعنى العميق، ولد خطاب يخلّد في الذاكرة، ويُحدِث أثرًا في التاريخ. فالناس قد ينسون الخطاب الجاف، لكنهم لا ينسون قصيدةً تهزّ القلوب، أو قصةً تُلهم العقول، أو كلمةً صادقة تفتح أبواب الرجاء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | آداب الاسلام, الأدب الإسلامي, الكلمة الطيبة



