![]()
القصة في القرآن.. فن الوعي بالتاريخ والوجود
القصة في القرآن منهج رباني متكامل لرسم خارطة الوعي الإنساني عبر العصور. إنها مرايا تَتَلألأ فيها وجوه البشرية: إيمان وكفر، طغاة وأنبياء، انتصارات واندثار. فكل قصة تحمل في طياتها فلسفة كاملة للحياة، تضع الإنسان أمام اختياره المصيري: أيكون مع سنن الله فينجو، أم يخالفها فيهلك؟
القصة.. فلسفة التاريخ الإنساني في كلمات
إذا كان المؤرخون يروون الأحداث، فإن القرآن يحفر في أعماقها ليستخرج العبر. فقصة آدم عليه السلام ليست مجرد بداية للبشرية، بل هي بيان لسمو المعرفة على القوة المادية، حين فضّل الله آدم بالعلم على إبليس المتكبر بقوة النار. وقصة الطوفان مع نوح ليست حكاية غرق فحسب، بل هي توثيق لسُنّة الله في إهلاك المكذبين بعد بلوغ الحجة. إنها قراءة للتاريخ بعين الحكمة لا بعين الواقعة.
أنماط القصص القرآني.. تشكيلات من الهدى والنور
تنوعت القصص في القرآن لتخدم غايات متعددة، فجاءت قصص الأنبياء سلسلة مترابطة تظهر وحدة الرسالة وتكامل الدعوة. بينما جاءت قصص الهلاك – كقوم عاد وثمود – تحذيراً من سنن الانهيار الحضاري. أما قصص الصراع بين الحق والباطل – كهود وأبرص – فتكشف عن سنة التدافع. وقصص التربية الإيمانية – كأصحاب الكهف – تقدم نماذج للثبات على المبدأ.
التكثيف الفني.. إيحاءات لا تفصيلات
يتميز الأسلوب القصصي في القرآن بالتركيز على العبرة دون التفاصيل الثانوية، فقصة موسى مع الخضر في سورة الكهف تقدم فلسفة كاملة في الحكمة الإلهية behind الأحداث في مشاهد معدودة. وقصة زكريا ويحيى تختزل معجزة الخلق في آيات قليلة. إنه أسلوب يخاطب العقل والقلب معاً، فيقدم الموعظة في قالب فني رفيع.
التكرار.. تربية بالتدريج لا إملال
إذا تكررت بعض القصص في القرآن – كقصة موسى وفرعون – فإن كل تكرار يأتي بزاوية جديدة تخدم سياق السورة. ففي سورة الأعراف تظهر القصة في إطار الصراع بين النبوة والطغيان، بينما في سورة طه تبرز الجانب الشخصي والتحدي الإيماني. إنه تكرار مقصود لتربية الأمة على استخلاص الدروس من زوايا متعددة.
القصة والواقع.. جسر بين الماضي والحاضر
لم تأت القصص القرآنية لتوثيق الماضي فقط، بل لربط الأمة بجذورها الروحية، وتذكيرها بأنها جزء من سلسلة طويلة من الصراع بين الحق والباطل. فقصة أصحاب السبت مع اليهود ليست حكاية تاريخية، بل تحذير من المكر بالشريعة والتحايل على الأحكام. وقصة ملكة سبأ تقدم نموذجاً للحوار الحضاري القائم على الحكمة والمنطق.
فالقصة القرآنية هي مدرسة متكاملة تخرج المؤمنين الواعين بتاريخهم، المدركين لحاضرهم، المستعدين لمستقبلهم. إنها ليست حكايات أولين، بل نبوءات للأخيرين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التربية بالقصص, العبر من القرآن, القصة في القرآن, قصص الأنبياء



