![]()
القرن التاسع عشر: ولادة التنوير العربي تحت ظلال الاستعمار
القرن التاسع عشر: ولادة التنوير العربي تحت ظلال الاستعمار
لم يكن التنوير العربي وليد بيئة هادئة أو زمن استقرار، بل خرج إلى الوجود في قرنٍ عاصفٍ عاش فيه العالم الإسلامي صدمة اللقاء بالغرب؛ لقاءًا كشف الفجوة الواسعة بين حضارةٍ ناهضةٍ تسير بقوة العلم والعقل، وأخرى مثقلةٍ بركام الجمود والتقليد. كان القرن التاسع عشر مسرحًا لتلك المواجهة الكبرى بين الشرق والغرب، بين الاستعمار والاستنهاض، وفي خضمّها وُلد التنوير العربي بملامح مرتبكة تبحث عن هوية بين الأصالة والمعاصرة.
صدمة الحضارة: من الحملة الفرنسية إلى البعثات التعليمية
بدأت الشرارة الأولى مع الحملة الفرنسية على مصر (1798م) التي لم تكن مجرد غزو عسكري، بل صدمة حضارية هزّت الوعي العربي والإسلامي. فقد أدرك المصريون والعرب لأول مرة حجم الفارق بين أدواتهم المتقادمة وآلات الغرب المتقدمة، وبين نظمهم الموروثة وإدارتهم البيروقراطية المتكلسة، وبين مدارسهم التقليدية ومؤسسات التعليم الحديثة التي أنشأها الفرنسيون في القاهرة.
ومن تلك اللحظة، بدأ سؤال النهضة يدقّ الأبواب: كيف يمكن أن ننهض؟ هل بالعودة إلى الدين في صفائه الأول، أم باستلهام تجربة الغرب في العقل والعلم والتنظيم؟
في عهد محمد علي باشا، تبلورت الإجابة الأولى عبر مشروع البعثات العلمية إلى فرنسا، حيث أُرسل روّاد مثل رفاعة الطهطاوي ليكونوا جسورًا بين الحضارتين. عاد الطهطاوي من باريس يحمل في قلبه الدهشة، وفي فكره مشروعًا جديدًا للتنوير، مزجه بين قيم الإسلام ومفاهيم المدنية الحديثة. كتب يقول في تخليص الإبريز: «إن حب الوطن من الإيمان، والعلم أساس العمران.» — عبارة اختزلت روح التنوير العربي الوليد.
التنوير بين الإصلاح الديني والنهضة المدنية
لم يكن التنوير العربي مجرد ترفٍ فكري أو استيرادٍ ثقافي، بل جاء استجابةً لأزمةٍ حضاريةٍ شاملة. فقد رأى مفكرو تلك الحقبة أن ضعف الأمة ليس قدرًا، بل نتيجة لتخلف الفكر وانغلاق باب الاجتهاد.
ومن هنا رفع جمال الدين الأفغاني راية الإصلاح الديني والسياسي، مؤكدًا أن الإسلام في جوهره دينُ حركةٍ وعدالةٍ وعلم. تلميذه الإمام محمد عبده أكمل المسيرة، داعيًا إلى تطهير العقيدة من الخرافة، وتجديد الفقه بما يتناسب مع العصر. أما الكواكبي فقد حمل شعلة الحرية السياسية في كتابه طبائع الاستبداد، رابطًا بين الاستبداد والانحطاط الحضاري، ومبينًا أن النهضة لا تزدهر إلا في مناخ الحرية.
وهكذا تعددت مداخل التنوير العربي: فمنهم من جعل العقل أداة التجديد الديني، ومنهم من رأى في التعليم سبيل الإصلاح، ومنهم من جعل السياسة باب الخلاص. لكنّ خيطًا ناظمًا جمعهم جميعًا: الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير، وبأن الإسلام لا يقف حجر عثرة أمام التقدم إذا فُهم على وجهه الصحيح.
التنوير في مواجهة الاستعمار
غير أن هذه النهضة الفكرية لم تنبت في فراغ، بل وُلدت تحت ظلال الاستعمار الأوروبي الذي تمدد في المشرق والمغرب. كان الغرب يقدم نفسه للعالم باعتباره حامل مشعل “التمدين”، لكنه في الواقع يمارس القهر والهيمنة الاقتصادية والثقافية. وهنا وجد التنوير العربي نفسه في مأزقٍ مزدوج: فهو يريد أن يستفيد من منجزات الغرب، لكنه يرفض أن يكون تابعًا له.
ظهرت في تلك المرحلة أصوات تحذر من الذوبان في الثقافة الغربية، وتدعو إلى تنويرٍ من الداخل، يستمد جذوره من روح الإسلام وقيمه الأخلاقية. وفي المقابل، رأى آخرون أن التحديث لا يمكن أن يتم دون الاقتباس من النموذج الغربي في الإدارة والتعليم والعلم، ولو على حساب بعض التقاليد الموروثة. وهكذا تمايزت الاتجاهات بين إصلاحيةٍ حذرة وليبراليةٍ متحمسة، وهو الانقسام الذي سيظل يطبع الفكر العربي إلى يومنا هذا.
حصاد القرن: من النهضة إلى سؤال الهوية
مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت ملامح التنوير العربي قد تشكّلت: مدارس فكرية، صحفٌ ومجلات، جامعاتٌ جديدة، ونخبٌ متعلمة حملت همّ الإصلاح. غير أن السؤال الجوهري بقي معلقًا: هل نستطيع أن ننهض دون أن نفقد أنفسنا؟
لقد كان التنوير العربي في جوهره محاولة للنجاة من التبعية دون الانغلاق، ومن الجمود دون الذوبان.
ولئن وُلد تحت ظلال الاستعمار، فقد حمل في أحشائه بذور التحرر، فكانت أفكاره هي التمهيد النظري لثورات القرن العشرين، ولحركات الإصلاح التي أعادت للأمة ثقتها بعقلها وهويتها ورسالتها الحضارية.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التنوير الأوروبي, التنوير الإسلامي, التنوير العربي, الكواكبي, جمال الدين الأفغاني, محمد عبده



