القراءة المبتورة للنصوص الدينية..

جمود فكري ومقاصدي

قضية الفهم الصحيح للنصوص الدينية من أخطر الإشكاليات التي ابتُلي بها الخطاب الديني في واقعنا المعاصر؛ حيث ابتلي واقع الدعوة ببعض من نسبوا أنفسهم...
القراءة المبتورة للنصوص الدينية.. جمود فكري ومقاصدي

القراءة المبتورة للنصوص الدينية..

جمود فكري ومقاصدي

قضية الفهم الصحيح للنصوص الدينية  من أخطر الإشكاليات التي ابتُلي بها الخطاب الديني في واقعنا المعاصر؛ حيث ابتلي واقع الدعوة ببعض من نسبوا أنفسهم إليها دون أن تكون لديهم القدرة على قراءة النصوص الشرعية وفنون استخراج الأحكام والاستشهادات من النصوص، وربما يكون سبب ذلك أن معظمهم يقف عند ظاهر الألفاظ، ويتجاهل ما يكتنفها من سياقاتٍ تاريخية واجتماعية، وما يحفّ بها من نصوصٍ مبيِّنة ومقاصدَ مُرشِدة.

ومن هنا ينشأ الجمود في الفكر، ويضيق أفق الاجتهاد، وتطفو على السطح نزاعاتٌ داخل المجتمع، منشؤها قراءةٌ مبتورة للنص، منزوعٌ عنها فقهُ المآلات وميزان الحكمة.

إنّ النصوص القرآنية والحديثية ليست قوالب جامدة، بل أنوارٌ متجددة، تحمل في طياتها طبقاتٍ من المعاني؛ منها ما هو تشريعيٌّ محكم، ومنها ما هو توجيهيٌّ تربوي، ومنها ما يتسع للتأويل وفق ضوابط العلم واللغة والمقاصد. ولهذا أرشدنا الله سبحانه إلى منهجٍ راسخ في طلب الفهم، فقال جلّ شأنه: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”. النحل (43)

. وفي هذه الآية توجيهٌ ربانيٌّ واضح إلى أن فهم الوحي لا يُؤخذ بمجرد القراءة السطحية، بل بالرجوع إلى أهل العلم، الذين جمعوا بين فقه النص، وفقه الواقع، وحكمة المقاصد.

إشكاليات التفسير الحرفي

ويتمثل ذلك في الجمود الفكري، فالتفسير الحرفي يمنع الاجتهاد والتجديد، ويؤدي إلى رفض التكيف مع التغيرات الاجتماعية والمعرفية، ويعمل على تأجيج التطرف، كما أن تفسير النصوص دون مراعاة سياقها التاريخي قد يبرر العنف أو التمييز.

ومثال على ذلك بعض النصوص المتعلقة بالحرب والقصاص التي تُفهم بشكل محدود خارج السياق:”
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا” [البقرة: 190، فالنص يوضح القتال في سياق الدفاع، لكن القراءة الحرفية قد تُستخدم لتبرير العدوان.

وإضعاف القيم الأخلاقية: فالتركيز على النصوص الجزئية دون مراعاة المعاني الكلية يؤدي إلى تشويه الصورة الأخلاقية للدين.

والرسول ﷺ قال: “لا ضرر ولا ضرار”، حديث صحيح، ابن ماجه. وهذا الحديث يوضح مبدأ عام للعدالة والرحمة، وهو قابل للتطبيق في جميع المجالات، لكن القراءة الحرفية قد تغفل هذا المبدأ.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
بين الجلال واللطف.. أحوال تفخيم الراء وترقيقها في علم التجويد
من بين الحروف التي حظيت بعناية خاصة لدى علماء التجويد حرف الراء، ذلك الحرف الذي يتردد بين حالتين صوتيتين...
المزيد »
ائتمام القائم بالقاعد..
تُعدّ مسألة صلاة الواقف خلف الإمام القاعد من المسائل التي تتجلى فيها مرونة الفقه الإسلامي، واتساعه لاستيعاب...
المزيد »
خطب النبي.. شبهة الإخفاء ومغالطات الطرح
تتردد بين حين وآخر شبهة تزعم أن خطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تُنقل كاملة، أو أنها تعرّضت للإخفاء أو...
المزيد »
جماليات علم مقارنة السور والمتشابهات في القرآن الكريم
ليس التكرار في القرآن الكريم إعادةً جامدة، ولا هو عَوْدٌ إلى المعنى ذاته بغير إضافة، بل هو فنٌّ رفيعٌ...
المزيد »
عظمة الأنساق التعبيرية في القرآن الكريم
 الكلمات في فضاء البيان القرآني لا تتجاور على سبيل المصادفة، ولا تتآلف التراكيب لمجرد أداء المعنى، بل...
المزيد »
السلام.. تحية الإسلام التي تُشيع الطمأنينة وتبني جسور القلوب
مع بزوغ فحر الإسلام، غدت تحية الإ شعارًا جامعًا، وروحًا نابضة تعبّر عن هوية الأمة، وتؤسس لعلاقاتها على...
المزيد »
توجهات الفقهاء بين الاستحباب والكراهة في دعاء الاستفتاح
صحّت الأحاديث في سنّية الدعاء بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في القراءة، وهو ما ذهب إليه عامة أهل العلم،...
المزيد »
الماهر بالقرآن.. بين رفعة الحفظ وسمو المعنى
الالتقاء بكتاب الله انغماس في بحرٍ من النور، تتجلى فيه المعاني وتسمو الأرواح، خاصة عندما يكون من ماهر...
المزيد »
الخطبة المؤثرة.. تناغم صوت الداعية مع نبض الجمهور
الخطيب المؤثر لا يقف أمام الناس كقارئ جامد، بل كقائد وجداني يتناغم مع مشاعرهم. يقرأ وجوههم، يلتقط أنفاسهم،...
المزيد »
التنبؤ بموت أبي لهب على الكفر.. مشهد من الإعجاز القرآني
حين نزلت سورة المسد في بدايات الدعوة الجهرية، حملت كلماتها وقعاً شديداً على قلوب أهل مكة، إذ أعلنت بوضوح...
المزيد »
الفتح الإسلامي في فرنسا.. من أربونة إلى بلاط الشهداء
حين عبر المسلمون بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد جبال البرتات بعد فتح الأندلس، بلغوا تخوم فرنسا الحالية،...
المزيد »
معركة سبيطلة.. بداية فتوحات إفريقية
بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توقفت حركة الفتح الكبرى، ولم يبق سوى سرايا صغيرة تستكشف...
المزيد »
خلافة على بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك