![]()
الفكر التكفيري.. حينما تُختطف العقيدة لخدمة الغلو
الفكر التكفيري.. حينما تُختطف العقيدة لخدمة الغلو
لم يعرف الإسلام عبر تاريخه عقبة أعظم على هُويته وسلامه المجتمعي من “التكفير”، الذي يُعد من أخطر الانحرافات العقدية والفكرية التي تهدد وحدة الأمة وتماسكها.
وهذا التيار المتشدد نشأ منذ فجر التاريخ الإسلامي مع الخوارج، الذين كفّروا الصحابة الكرام، واستباحوا دماء المسلمين، وبنوا منهجهم على فهم مغلوط للنصوص، منزوع من مقاصد الشريعة وروحها.
فالتكفير في الإسلام ليس حكمًا يُلقى جزافًا، بل هو أمر عظيم له ضوابط دقيقة قررها علماء الأمة. وقد نهى النبي ﷺ عن التسرع في إطلاق هذا الحكم، فقال:”أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما”. رواه البخاري ومسلم. وهذا تحذير صريح من عواقب رمي الناس بالكفر بغير حق.
ويؤمن التيار التكفيري أن مخالفيه في الاجتهاد، أو العصاة، أو من يعيشون في مجتمعات لا تُطبق رؤيتهم الخاصة للشريعة، خارجون من الملة، ويُشرّعون بذلك لأنفسهم سفك الدماء، وهدم المجتمعات، واستباحة الحرمات، في تناقض صارخ مع مقاصد الإسلام العليا التي تحفظ النفس والدين والعقل والمال والعِرض.
وقد حذر العلماء، من هذا المسلك المنحرف عبر القرون، وكان موقف أئمة أهل السنة والجماعة واضحًا في رفض التكفير إلا بشروط صارمة، أهمها: أن يكون الفعل مكفِّرًا بنص صريح، وأن تقام الحجة، وتنتفي الشبهة، وأن يُصدر الحكم أهل العلم والقضاء، وليس أفرادًا أو جماعات متطرفة.
كما أن الإسلام يُفرّق بين الكفر الأكبر، والكفر العملي أو الأصغر، ويعذر بالجهل والخطأ والتأويل، ويُقدّم النصح والدعوة قبل الحكم والنبذ، فالغاية من الشريعة هداية الناس لا تصنيفهم وطردهم من الدين.
إن تيارات التكفير، التي ظهرت في العصر الحديث، كتنظيمات الغلو التي أفسدت في الأرض باسم “الجهاد”، ما هي إلا امتدادٌ لنهج الخوارج الأوائل، لكنها اتخذت أدوات العصر في الإعلام والتجنيد، واستغلت ضعف الوعي، والاحتقان السياسي، وظروف الظلم، لتبث أفكارها في أوساط الشباب.
ولمواجهة هذا الفكر، لا تكفي الحلول الأمنية وحدها، بل لابد من تجديد الخطاب الديني، وبيان فقه الاختلاف، وترسيخ مفاهيم الرحمة والتعايش، وتحصين الناشئة من الانجراف خلف فتاوى العنف والتكفير، وتعزيز دور العلماء الوسطيين.
إن الإسلام دين حياة وعدل ورحمة، ومن جوامع كلم النبي صلي الله عليه وسلم قوله:”مَن صلَّى صلاتَنا، واستقبلَ قبلتَنا، وأكلَ ذبيحتَنا، فذلك المسلمُ الذي له ذمةُ اللهِ وذمةُ رسولِه، فلا تُخفِروا اللهَ في ذمتِهِ”. رواه البخاري.فليس من الإيمان أن نكفّر من شهد أن لا إله إلا الله لمجرد الخلاف، وليس من التقوى أن نغلق أبواب الرحمة بوجه الناس باسم الغيرة على الدين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التيارات الفكرية الهدامة, الفكر التكفيري, تيارات فكرية



