![]()
الفضيل بن عياض: من ظلمات الطريق إلى أنوار التوبة
الفضيل بن عياض: من ظلمات الطريق إلى أنوار التوبة
يبرز اسم الفضيل بن عياض، كأحد برجالٍ أضاء الله بهم عصورها، فكانوا مصابيح هدى ومواكب زهدٍ وورعٍ لا تنطفئ. ومن بين أولئك العظام، والفضيل بن عياض إمام الحرم، وشيخ الإسلام، وعَلَم الزهد في القرن الثاني الهجري، الذي تحوّلت حياته من صحائف العصيان إلى صفحات النور والإنابة.
مولده وبداياته
وُلد الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني في سمرقند سنة 107هـ، ونشأ فيها طالبًا للعلم، ثم ارتحل إلى الكوفة، حيث ازداد طلبًا واجتهادًا حتى نضج علمه واشتد عوده. لكنه لم يكن في بداياته من أهل الصلاح، بل اشتهر بين الناس بـ”قاطع الطريق” الذي يخيف المسافرين بين مدينتي أبيورد وسرخس، وكان يُوصف بالشطارة في السرقة والحيلة.
غير أنّ العناية الإلهية كانت تُهيّئ له لحظة التحوّل الكبرى.
لحظة التوبة التي غيّرت المسار
في ليلةٍ من ليالي السعي الحرام، همّ الفضيل بتسلّق جدار دارٍ يحبّ فيها جاريةً، فسمع قارئًا يتلو قول الله تعالى:
“أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ…” [الحديد:16].
فتوقّف في مكانه، وارتعد قلبه، وقال من أعماقه: “بلى يا رب، قد آن.”
وفي تلك اللحظة الحاسمة انكسرت قيود الهوى، وولدت في قلبه توبة صادقة.
عاد إلى مأواه القديم، فسمع بعض اللصوص يقولون: “نرتحل الليلة.” فردّ آخر: “نخشى أن يعترضنا الفضيل.” فبكى وقال: “سبحان الله! أنا الذي يُخاف منه عباد الله؟! ما أحلمك يا رب!” فقام من ليلته قاصدًا البيت الحرام، ليجعل الكعبة مسكنه، والعبادة سبيله، والدموع زاده إلى الله.
ورعه ومقامه بين العلماء
في مكة والمدينة، ذاع صيته بين الزهاد والعباد، حتى عُرف بـعابد الحرمين. كان لا يملك من الدنيا إلا كسرة خبز، لكنه يملك قلبًا عامرًا باليقين.
قال عنه هارون الرشيد: “ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل.”
وقال عبد الله بن المبارك: “ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض.”
كان الفضيل إذا ذُكر الله، ارتجف قلبه واغرورقت عيناه بالدموع، وكان كثير الحزن، دائم التفكر في الآخرة. وإذا خرج في جنازة، بكى حتى يُبكي من حوله، ويقول: “يا نفس، هذا غدك، فهل أعددتِ له زادًا؟“
مواعظه وأقواله
امتلأت حياة الفضيل بالحكمة والنور، فكان لسانه لا يفتر عن التذكير بالله، ومواعظه تنفذ إلى القلوب. قال يوماً:
“من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.”
وقال لابنه عليّ لما شكا صعوبة الحلال:
“يا بني، إن قليله عند الله كثير.”
وكان يخاطب هارون الرشيد بصدق الناصح قائلاً:
“يا أمير المؤمنين، لو طلب الناس الجنة كما يطلبون الدنيا، لنالوها.”
وفي الليل، كان يقوم بين يدي الله طويلًا، يبكي ويطيل السجود، حتى إذا تعب، نام يسيرًا ثم عاد إلى صلاته، كأنّ في قلبه شوقًا لا يُروى إلا بالمناجاة.
وفاته وأثره الباقي
ظلّ الفضيل بن عياض إلى آخر عمره مثالًا للخشوع والتوبة، لا يعرف قلبه مللًا من ذكر الله، ولا يفتر لسانه عن نصح الأمة.
وفي محرم سنة 187هـ فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، بعدما ترك للأمة ميراثًا خالدًا من العظة والزهد، ونموذجًا صادقًا لمن بدّل الله سيئاته حسنات.
لقد علّمنا الفضيل أن الطريق إلى الله لا يُقاس بالماضي، بل بصدق الرجوع، وأن نور التوبة قادر أن يبدّد ظلمات العمر كله.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخبار السلف, أعلام السلف, الزهد في الإسلام, السلف الصالح, الفضيل بن عياض, الورع



