![]()
الفرق بين الملك والملكوت.. سرّ العوالم بين الغيب والشهادة
الفرق بين الملك والملكوت.. سرّ العوالم بين الغيب والشهادة
من ألطف ما وقف عليه أهل العلم في تأملهم لآيات القرآن الكريم، ما ورد في قوله تعالى: “فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون” يس: 83.
إذ ميّز سبحانه بين الملك والملكوت، وهما لفظان متقابلان في المعنى، متداخلان في الحقيقة، يجمعهما أن كليهما منسوبٌ إلى سلطان الله تعالى، لكنه سلطان يتفاوت بين عالم الحسّ وعالم الغيب.
أولًا: معنى “الملك”
الملك هو عالم الشهادة الذي نراه ونعيشه، وهو كل ما تدركه الأبصار وتتناوله الحواس من المخلوقات والظواهر والأحوال.
فالسماء، والأرض، والجبال، والبحار، والإنسان بما فيه من حركات وأفعال، كلها داخلة في نطاق الملك.
قال تعالى:
«تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير» [الملك: 1].
فالملك هو سلطان الله الظاهر في هذا الوجود، بما فيه من نظامٍ واتساقٍ وقدرةٍ وحكمةٍ بالغة.
ثانيًا: معنى “الملكوت”
أما الملكوت، فهو عالم الغيب والباطن، وهو ما وراء المحسوس من أسرار الوجود، كعالم الملائكة، والروح، والعرش، واللوح، والقدر، وما استأثر الله بعلمه من شؤون خلقه.
والتعبير بالملكوت صيغة مبالغة من “الملك”، للدلالة على العظمة والامتداد والهيمنة المطلقة، ولهذا جاء في قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
“وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض “الأنعام: 75.
أي أراه الله ما لا تبلغه الأبصار من أسرار القدرة الإلهية وبواطن الخلق، ليكون من الموقنين.
ثالثًا: العلاقة بين الملك والملكوت
الملك هو ظاهر الأمر، والملكوت باطنه، وبينهما ترابطٌ عجيب يدلّ على وحدة الخلق وتكامل القدرة.
فالملكوت هو الوجه الغيبي للملك، كما أن الروح وجهٌ خفيٌّ للجسد. فمن تأمل نظام الكون بعينه الباصرة رأى “الملك”، ومن تأمله بقلبه البصير رأى “الملكوت”.
ولهذا قال العلماء: من اكتفى بالنظر في الملك بقي في ظاهر العلم، ومن أطلعه الله على الملكوت دخل في عمق الإيمان.
رابعًا: دلالات الملك والملكوت في معرفة الله
من تأمل الملك رأى آثار قدرة الله، ومن تأمل الملكوت شهد جلال الله.
- في عالم الملك ترى الأسباب والسنن، وفي عالم الملكوت ترى المسبّب الحكيم الذي يُجريها.
- في عالم الملك ترى حركة النجوم والكواكب، وفي عالم الملكوت ترى يد القدرة التي تحفظها بنظامٍ لا يختل.
- في عالم الملك ترى الجسد، وفي عالم الملكوت ترى الروح التي بها الحياة.
ولهذا كان أعظم ما يمنّ الله به على عبده أن يكشف له شيئًا من أنوار الملكوت، فيرى ما وراء الظواهر، ويزداد إيمانًا وتسليمًا، كما قال تعالى في وصف أوليائه:
«إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون» [المؤمنون: 57-58].
خامسًا: تأملات في الحكمة الإلهية
الملك مظهر العبودية، والملكوت مظهر الألوهية، وبينهما يجري الإنسان في رحلته بين الغيب والشهادة.
فهو يعيش في عالم الملك بجسده، ويشتاق إلى عالم الملكوت بروحه، حتى إذا انكشف له الغطاء عند الموت، انتقل من الملك إلى الملكوت، ليعاين ما كان يؤمن به غيبًا.
وهكذا تكتمل الصورة، فيدرك المؤمن أن كلا العالَمين — بما بينهما من اختلافٍ في الدرجة لا في المصدر — إنما هما مملوكان لله الواحد القهّار، له الملك وله الملكوت، بيده الأمر كلّه، وإليه يُرجع الخلق أجمعون.
«قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير» [آل عمران: 26].
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | إعجاز ولطائف, الملك والملكوت, تفسير الملكوت, عالم الغيب والشهادة, لطائف القرآن



