![]()
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم الذي لا كتاب بعده. فهي آخر اللغات التي حملت الوحي، وأمانةٌ في أعناقنا أن نحافظ عليها ونورثها للأجيال، وأن نغرس في نفوسهم محبتها والاعتزاز بها. إن اعتمادها في مخاطباتنا ليس مجرد وفاء للغة، بل هو حفاظ على هوية الأمة وكيانها، وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حين قرر أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والدين والخلق تأثيراً بالغاً، وأن مشابهة الصحابة والتابعين في لغتهم تزيد العقل والدين والخلق معاً.
أثر الأعجمية وحدودها الشرعية
الكلام بغير العربية ينقسم إلى مفردات وجمل، ولكلٍ أحكامه. فالألفاظ الأعجمية التي لا يُعرف معناها مكروهة، إذ قد تحمل معاني محرمة، أما ما كان معروف المعنى فإما أن يكون محرماً فيُمنع، أو مباحاً فيجوز عند الحاجة، كالمصطلحات العلمية أو أسماء الآلات التي لا مقابل لها في العربية. وقد ورد عن عمر رضي الله عنه قوله: “تفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي”، مؤكداً أن فقه العربية هو الطريق إلى فقه الدين. أما استعمال الأعجمية بلا حاجة، أو بدافع الإعجاب بها، فهو من علامات الهزيمة النفسية، وقد حذر الأئمة من ذلك، إذ اللغة شعار الأمة، وسقوطها سقوط لهويتها.
شواهد من السلف في استعمال الأعجمية
وردت آثار عديدة عن الصحابة والتابعين في استعمال كلمات أعجمية قليلة، إما لمخاطبة من يعرفها أو لتقريب المعنى. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد وهي طفلة قدمت من الحبشة: “سنه سنه”، أي حسنة بلغة الحبشة، وقال لجابر في دعوته: “سوراً”، وهي كلمة فارسية تعني الطعام. كما خاطب الحسن بن علي بالفارسية: “كخ كخ”، رادعاً إياه عن أكل الصدقة. هذه الشواهد تدل على أن استعمال كلمة أو كلمتين من الأعجمية أمر قريب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عادة أو إعجاب، لأن ذلك يضعف العربية ويزاحم مفرداتها الأصيلة.
العربية هوية الأمة وعماد الدين
العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء الدين والشريعة، بها نفهم القرآن والسنة، وبها نميز الأمة عن غيرها. وقد قرر الشافعي أن من يعرف العربية لا ينبغي أن يسمي أو يتكلم بغيرها، لأن الله اختارها لساناً للوحي. وابن حزم أكد أن سقوط اللغة مرتبط بسقوط الدولة، وأن قوة الأمة تحفظ لغتها وعلومها. لذلك فإن الحفاظ على العربية واجب شرعي وحضاري، وهي ليست لغة الماضي فحسب، بل لغة المستقبل إذا ما أحييناها في التعليم والإعلام والبحث، وجعلناها لساناً حياً نابضاً في كل مجالات الحياة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | ابن تيمية, ابن حزم, الأعجمية, الأمة, السنة, الشافعي, القرآن, اللغة العربية, الهوية الإسلامية, فقه اللغة



