![]()
الطبقة السادسة من طبقات الرجال… جيل النضج الحديثي وتبلور منهج التصحيح
الطبقة السادسة من طبقات الرجال… جيل النضج الحديثي وتبلور منهج التصحيح
كانت الطبقة الخامسة جيل التمحيص والتمهيد، أما الطبقة السادسة فهي جيل النضج الحديثي، الذي حمل لواء النقد والرواية إلى مرحلة منضبطة المعالم، وتسلّم الراية قبيل بزوغ فجر الأئمة الستة.
إنهم صغار أتباع أتباع التابعين، الذين تلقّوا العلم عن الجيل السابق، وتولّوا صياغة علم الحديث في صورته النهائية من حيث الرواية والنقد والتصنيف.
معالم هذه الطبقة ومكانتها
ينتمي رجال هذه الطبقة إلى القرن الثالث الهجري، وهو العصر الذي شهد اكتمال أركان العلوم الإسلامية، ونضوج الفكر النقدي في الحديث.
كانوا حلقة الوصل بين المحدثين النقاد الأوائل مثل ابن مهدي والقطان، وبين الأئمة المصنفين الكبار مثل أحمد والبخاري ومسلم.
وفي عهدهم، بدأت المدارس الحديثية تتمايز وتترسخ، فصار للرواية قواعد مضبوطة، وللناقد مصطلح متعارف عليه، وللتوثيق أصول محددة.
أشهر أعلام الطبقة السادسة
برز في هذه الطبقة ثلة من كبار العلماء الذين شكّلوا نواة المدرسة النقدية في أوج ازدهارها، ومنهم:
- الإمام علي بن المديني (ت 234هـ): أحد أعمدة علم العلل، كان البخاري يعدّه أستاذه ويقول: “ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.”
- الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ): إمام السنة، جمع بين الرواية والنقد والفقه، ووضع أصولاً صارمة في الجرح والتعديل.
- يحيى بن معين (ت 233هـ): إمام الجرح والتعديل، لم يُعرف أحد أعلم منه بأحوال الرجال.
- إسحاق بن راهويه (ت 238هـ): شيخ البخاري، جمع بين معرفة الحديث والفقه، وكان من كبار أتباع المدرسة الخراسانية.
- أبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب، وهما من أبرز رواة الحديث وممن نقل عنهم الأئمة الستة.
- نعيم بن حماد وهناد بن السري وعبد الرزاق الصنعاني (في أواخر حياته)، وكلهم من أوعية السنة وحملة آثار الأئمة السابقين.
الملامح العلمية والمنهجية
تميّزت الطبقة السادسة بسماتٍ دقيقة جعلت منها جسرًا بين الرواية النقدية والتصنيف الموسوعي:
- تبلور منهج العلل: فقد أصبح البحث في علل الحديث علمًا قائمًا بذاته، وأضحى التثبت من اتصال السند وانسجام المتن من أساسيات الحكم على الرواية.
- جمع المسانيد والمصنفات: في هذا العصر ظهرت المصنفات الكبرى مثل مسند أحمد ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، وهي الأسس التي قامت عليها كتب الصحيح والسنن.
- نضوج مصطلح الجرح والتعديل: إذ أصبحت الألفاظ النقدية أكثر دقة مثل: “ثقة”، “صدوق”، “ليس به بأس”، “منكر الحديث”، “متروك”.
- الاهتمام بالعلوّ والضبط: لم يعد العلوّ في السند وحده معيارًا، بل أضيف إليه الضبط والاتقان، حتى يُقدَّم “الأنزل الصحيح” على “الأعلى الضعيف”.
عصر بناء القواعد وتأصيل المصطلح
لقد كان هذا الجيل هو الذي مهّد لعصر البخاري ومسلم، إذ وضع الأسس التي سيبني عليها المتأخرون مصطلحاتهم.
وفيه ظهرت بوادر منهج المحدثين في التمييز بين الصحيح والحسن والضعيف، كما بدأت المرويات تُرتّب على الأبواب الفقهية والعقدية، ممهّدةً لظهور كتب الجوامع والصحاح.
وقد قال الخطيب البغدادي في وصفهم: “بهذا الجيل انتقل الحديث من الرواية المجردة إلى العلم المنقّح، الذي يقوم على الفهم والدراية.”
الطبقة السادسة… من النقد إلى التصنيف
ما ميّز هذه الطبقة أنها لم تكتفِ بالرواية أو الجرح، بل جمعت بين النقد والتدوين، فكانوا نقادًا ومؤلفين، يمزجون بين الرواية والدراية، ويضعون الأصول التي ستستقر في مصطلح الحديث لاحقًا.
وإن كان الجيل السابق قد وضع اللبنات، فإن هذا الجيل هو الذي شيّد البناء وأرسى القواعد التي سار عليها العلماء إلى اليوم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أنواع الحديث, الجرح والتعديل, الحديث الحسن, الحديث الشاذ, الطبقة السادسة, صغار أتباع أتباع التابعين, مصنف بن أبي شيبة



