![]()
الطبقة السابعة من طبقات الرجال… جيل الختم والتدوين
لقد كانت الطبقة السادسة جيل النضج الحديثي، أما الطبقة السابعة فهي جيل الختم والتدوين، الذين انتقلوا بعلم الحديث من طور النقل والنقد إلى طور الجمع والتصنيف، فأصبح التراث الحديثي في عصرهم مكتمل البناء، متين الأساس، عظيم الأثر.
هؤلاء هم أصحاب الكتب الستة ومن دار في فلكهم من أئمة الرواية والتوثيق في القرن الثالث الهجري، الذين صاغوا الحديث النبوي في صورته النهائية كما وصلنا اليوم.
معالم هذه الطبقة ومكانتها
تُمثِّل هذه الطبقة الذروة الذهبية لعلم الرواية، إذ اجتمع فيها صفاء الإسناد مع نضج النقد ووضوح المصطلح.
فقد تسلّم هؤلاء الأعلام علوم من سبقهم من النقاد الكبار كأحمد ويحيى وابن المديني، ثم انطلقوا في جمع المرويات وتصنيف الصحاح والسنن والمسانيد، مؤسسين مرحلة “التدوين الموسوعي” في تاريخ السنة.
وفي عهدهم، تبلور مصطلح الحديث اصطلاحًا، واستقرت مناهج التصحيح والتضعيف، وأصبح لكل إمام مدرسة ومنهج.
أشهر أعلام الطبقة السابعة
من هذه الطبقة العظيمة تشرق أسماءٌ خالدة خُلِّدت بكتبها كما خُلِّدت بعلومها:
- الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ): إمام المحدثين، صاحب الجامع الصحيح، الذي عدَّه العلماء “أصح الكتب بعد كتاب الله”.
- الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت 261هـ): صاحب الصحيح، قرين البخاري ومكمِّل منهجه في جمع الأحاديث الصحيحة بإتقان فريد.
- أبو داود السجستاني (ت 275هـ): صاحب السنن، الذي عُدَّ من أهم مصادر الفقهاء والمجتهدين في استنباط الأحكام.
- الترمذي (ت 279هـ): إمام الجمع بين الرواية والفقه، صاحب الجامع الكبير المعروف بـ سنن الترمذي.
- النسائي (ت 303هـ): صاحب السنن الكبرى والسنن الصغرى، أحد أدق المحدثين نقدًا وتمييزًا للرواة.
- ابن ماجه (ت 273هـ): صاحب السنن، الذي اختتمت به دائرة الكتب الستة، مكملًا بناء السنة المجموع.
ملامح المنهج العلمي في هذه الطبقة
اتسمت الطبقة السابعة بسمات علمية دقيقة جعلت مصنفاتهم المرجع الأعلى في علوم الحديث إلى اليوم:
- التحقيق الصارم في الأسانيد: فقد اعتمدوا شروطًا دقيقة في قبول الرواية، لا سيما في الصحيحين، حيث اشترطوا اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وانتفاء الشذوذ والعلة.
- الترتيب الفقهي والموضوعي: جمعت كتبهم بين الفقه والحديث، فكانت الأحاديث تُبوَّب على الأبواب الشرعية، مما قرّب السنة إلى الفقهاء.
- إحكام العلل والتمييز: كان البخاري ومسلم يفرّقان بين الصحيح والأصح، وبين المقبول والمعلول، في دقة فنية قلّ نظيرها.
- النقد الذاتي المتزن: ظهر في هذا الجيل ما يُعرف بـ “نقد الأقران”، فكان أحدهم يراجع الآخر ويصحح له، مما زاد في ثراء المنهج الحديثي.
- حضور الفقه مع الرواية: لم يكونوا نَقَلة جامدين، بل كانوا فقهاء نُقّادًا، يجمعون بين الدراية والرواية، كما قال الإمام مسلم: “ليس كل حديث صحيح يعمل به.”
الطبقة السابعة… ختم الرواية وابتداء الشرح
بانتهاء هذه الطبقة، اكتمل عصر الرواية الكبرى، وبدأ عصر الشرح والتحليل، حيث صارت كتبهم محورًا لكل دارس ومحدث من بعدهم.
ومن هنا نشأت شروح الصحيحين، وتفرعت مدارس الفقه والحديث، وظهرت علوم كـ “غريب الحديث” و“الناسخ والمنسوخ” و“العلل”، وكلها قائمة على ما دوّنه هؤلاء الأئمة.
لقد جمعوا المرويات، غربلوها، رتبوها، ونقّحوها، حتى أصبحت السنة النبوية محفوظة بحفظ الله، مسوَّرة بالعلم والضبط.
أثر الطبقة السابعة في التاريخ العلمي
يكفي أن يُقال إن الكتب الستة كانت ولا تزال العمود الفقري للسنة النبوية، لا تُدرس السنة إلا منها، ولا يُقاس الحديث إلا على ميزانها.
فبجهود هذا الجيل أُغلق باب الرواية المفتوحة، وبدأ عصر النقد الدقيق والتحليل الواعي، فصار علم الرجال علماً محكماً، له مصطلحاته وضوابطه، تُستقى من تلك الطبقة المباركة التي ختم الله بها عهد الجمع والضبط.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الحديث الحسن, الحديث الشريف, الطبقة السابعة, صحيح البخاري, صحيح مسلم



