![]()
الطبقة الرابعة من طبقات الرجال… أتباع التابعين وصنّاع الصرح الحديثي
الطبقة الرابعة من طبقات الرجال… أتباع التابعين وصنّاع الصرح الحديثي
حين اكتمل بناء الإسناد على يد صغار التابعين، بزغ في سماء العلم جيلٌ جديد حمل لواء التثبيت والتحقيق، فكانوا أتباع التابعين، الطبقة الرابعة من رجال الحديث، الذين ورثوا الرواية بأمانة، وغاصوا في بحر التمحيص والتمييز حتى غدت لهم بصمة في كل حديث وصحيفة.
إنهم الحلقة التي بها اتصل السند، وبلغ علم الرجال ذروة نضجه واتساعه.
من هم أتباع التابعين
أتباع التابعين هم الذين لقوا التابعين وأخذوا عنهم، دون أن يدركوا أحدًا من الصحابة.
وقد عاش معظمهم في القرن الثاني الهجري، زمن ازدهار التدوين في الدولة العباسية، حين استقر العلم في الأمصار، وبدأت حركة التصنيف والتأليف تتسع.
كانت هذه الطبقة جسرًا بين عصر الرواية الشفوية وعصر التصانيف الكبرى، حيث حفظوا المرويات ودوّنوها في الأصول التي اعتمدها المحدثون من بعدهم.
أعلام الطبقة الرابعة
لمع في هذه الطبقة أعلام كبار، شكّلوا نواة علم الحديث وأركان مصنفاته، ومنهم:
- مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، صاحب الموطأ الذي يعدّ من أقدم وأصح كتب الحديث.
- سفيان الثوري، شيخ الكوفيين وإمام الورع، جمع بين الفقه والحديث والنقد الدقيق للرواة.
- عبد الله بن المبارك، العالم الزاهد المجاهد، أحد أعلام خراسان، كان من أوائل من صنف في الزهد والحديث والرجال.
- حماد بن زيد وحماد بن سلمة، من أوثق المحدثين بالبصرة، لهما أثر عظيم في حفظ مرويات التابعين.
- الليث بن سعد إمام أهل مصر، أحد من جمع بين الفقه والرواية، وله مرويات واسعة عن كبار التابعين.
- شعبة بن الحجاج، الذي لُقّب بأمير المؤمنين في الحديث، وكان رأسًا في نقد الرواة وتمييز الصحيح من السقيم.
السمات العلمية لهذه الطبقة
امتاز أتباع التابعين بخصائص رسّخت علم الحديث وجعلته علمًا قائمًا بذاته:
- نضج النقد الحديثي: فقد وُضع في زمنهم الأساس الأول لعلم الجرح والتعديل، وأُطلقت المصطلحات النقدية مثل “ثقة”، “ضعيف”، “متروك”.
- تدوين السنة وتصنيف المسانيد: بدأ جمع الحديث في كتب خاصة كـ الموطأ والسنن والمصنفات، فانتقلت السنة من الصدور إلى السطور.
- التحقق من العدالة والضبط: اشتد التدقيق في الرواية، وظهر التفريق بين المدلس والمدلس عنه، والموقوف والمرفوع، حتى لا تختلط الأسانيد.
- توحيد المصطلحات الحديثية: بدأت تتبلور مفاهيم “الصحيح” و“الحسن” و“الضعيف”، بما مهّد الطريق لظهور مصنفات البخاري ومسلم فيما بعد.
أثر أتباع التابعين في علم الرجال
يُعدّ أتباع التابعين المؤسسين الحقيقيين لعلم الرجال بمعناه الاصطلاحي، إذ ظهرت في عصرهم بذور التصنيف في أحوال الرواة، وتناقل المحدثون أخبار الثقات والضعفاء، حتى نشأ جيل من النقّاد المتخصصين.
وفي رحابهم ازدهرت الرحلة في طلب الحديث، فكان المحدث يجوب الأمصار طلبًا للإسناد العالي، يفتش عن شيخٍ لم يروِ عنه أحد، أو حديثٍ لم يثبت إلا بطريقه.
وقد وُضعت في عصرهم اللبنات الأولى لمدارس الحديث الكبرى، كمدرسة المدينة التي تزعمها مالك، ومدرسة الكوفة التي قادها سفيان الثوري، ومدرسة البصرة التي ازدهرت بجهود حمادين وشعبة.
من الرواية إلى النقد والتدوين
كانت الطبقة الرابعة نقطة التحول الكبرى في مسيرة الحديث، إذ تحوّل المحدث من ناقلٍ إلى ناقدٍ، ومن حافظٍ إلى مؤلفٍ، فصارت الرواية علمًا قائمًا على منهجٍ دقيقٍ في التثبت والتمحيص.
ومع هذا الجيل، أخذ علم الرجال صورته المنهجية، إذ بدأ المحدثون يُسجّلون سير الرواة، ويذكرون منازلهم في الثقة، ويضعون قواعد التوثيق.
ولولا جهود أتباع التابعين، لما كان للسنة أن تُنقَل إلينا بهذا الضبط والاتصال الذي تميزت به عن سائر الموروثات.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أتباع التابعين, الطبقة الرابعة, تدوين الحديث



