![]()
الطبقة الثالثة من طبقات الرجال… صغار التابعين وبناة الإسناد المتين
الطبقة الثالثة من طبقات الرجال… صغار التابعين وبناة الإسناد المتين
حين انطوت صفحة كبار التابعين الذين سمعوا من الصحابة، وورثوا عنهم العلم والفقه، بزغ جيل جديد حمل الراية من بعدهم، فكانوا صغار التابعين، الطبقة الثالثة من رجال الحديث، الذين حفظوا ميراث السنة في زمن بدأ فيه التدوين، واشتدت الحاجة إلى الإسناد الموثوق.
إنها الطبقة التي وضعت اللبنات الأخيرة في صرح الرواية، وأرست قواعد التمحيص والنقد التي بها تميز الصحيح من السقيم.
من هم صغار التابعين
يُقصد بهذه الطبقة أولئك الذين لقوا كبار التابعين وأخذوا عنهم العلم، ولم يُدركوا أحدًا من الصحابة إدراكًا مستقيمًا بالرواية والسماع.
وقد عاش معظمهم في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ومطلع الثاني، في مرحلة ازدهر فيها العلم، وانتشر طلاب الحديث بين الأمصار، من المدينة والبصرة والكوفة إلى الشام ومصر وخراسان.
أبرز أعلام الطبقة الثالثة
برز من هذه الطبقة رجال عظام كان لهم أثر بالغ في حفظ السنة وتدوينها، من أمثال:
- الزهري (محمد بن شهاب)، الذي جمع بين الرواية والدراية، وأرسى أصول التدوين بأمرٍ من عمر بن عبد العزيز، حتى عُدّ من مؤسسي علم الحديث تدوينًا وتنظيمًا.
- قتادة بن دعامة السدوسي، من كبار محدثي البصرة، كان حافظًا ثبتًا، له معرفة واسعة بالقرآن والتفسير والحديث.
- أيوب السختياني، إمام في العبادة والورع، من أوثق الناس في الحديث وأحسنهم اتباعًا للأثر.
- عمرو بن دينار، فقيه مكة ومحدثها، من أئمة التابعين في الفتيا والرواية.
- يونس بن عبيد وحماد بن زيد، ممن اتصل بهم السند في أصوله الأولى، وحُفظت عنهم مرويات كثيرة في دواوين السنة.
الملامح العلمية لهذه الطبقة
امتازت الطبقة الثالثة بعدة خصائص جعلتها محورًا في تاريخ الحديث:
- التحقيق في الرواية: فقد بدأ في عصرهم تمييز المرسل من الموصول، والموقوف من المرفوع، وتدوين طبقات الشيوخ.
- بروز النقد العلمي: حيث ظهر الاهتمام بأحوال الرواة، وضبط العدالة والضبط، فكانوا يُدقّقون في اللفظ والإسناد، ويختبرون الحفظ والمرويات.
- اتساع نطاق الرحلة: إذ شاعت الرحلة في طلب الحديث، فكان الرجل يرحل من بلد إلى بلد ليلقى راويًا واحدًا يسمع منه حديثًا فريدًا.
- نشوء المدارس الحديثية: فقد تمايزت المدارس الكبرى، فكانت مدرسة المدينة التي غلب عليها الأثر، ومدرسة العراق التي مزجت بين الفقه والرواية، ومدرسة الشام التي أولت العناية بالإسناد المتصل.
أثر صغار التابعين في نشأة علم الرجال
تُعدّ هذه الطبقة الركيزة التي استقرت عليها مباني علم الرجال، فمعهم بدأت فكرة توثيق الرواة وتدوين الأسانيد، وظهرت بدايات التصنيف في الجرح والتعديل.
لقد كانوا يُسندون الأحاديث بالسلاسل المتصلة، فيقول أحدهم: “حدثني فلان عن فلان عن النبي ﷺ”، فكان ذلك النمط من النقل هو الذي هيّأ لعلماء القرون اللاحقة أن يُقيموا صرح النقد الحديثي على أسس متينة.
ومن ثمّ، كانت هذه الطبقة بحق مرحلة الانتقال من الرواية الشفوية إلى الرواية الموثقة، ومن التلقي بالسماع إلى التدوين والتحقيق.
الطبقة الثالثة… من الحفظ إلى النقد
لم يكن صغار التابعين رواةً فحسب، بل نقّادًا وحُفّاظًا وممهدين لعلم الجرح والتعديل. وفي عصرهم ظهرت الحاجة الملحّة لتمييز الرواة وتوثيق السلاسل، خاصةً مع اتساع الفتوحات ودخول غير العرب في الإسلام، فكان لجهودهم الأثر البالغ في حماية السنة من التحريف والوضع.
ومن خلالهم أشرقت على الأمة ملامح علمٍ جديدٍ سيُعرف لاحقًا بـ”علم الرجال”، يزن الرواة بميزان الضبط والعدالة، ليبقى ميراث النبوة مصونًا من الزيف والاضطراب.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أسس علم الرجال, الطبقة الثالثة, علم الحديث, عمرو بن دينار



