![]()
الطبقة التاسعة من طبقات الرجال.. جيل الشرح والتهذيب
الطبقة التاسعة من طبقات الرجال.. جيل الشرح والتهذيب
مع أفول القرن الخامس الهجري، بدأت ملامح مرحلة جديدة في علم الحديث تتكوّن، مرحلة لم تعد الحاجة فيها إلى جمع الروايات بقدر ما كانت الحاجة إلى شرحها وتهذيبها وتنقيح طرقها. إنها الطبقة التاسعة، طبقة شراح الصحيحين وأئمة الاختصار، الذين استلموا ميراث النقاد والحفاظ، فصاغوه بأسلوب التحليل والدراسة والتبويب، ممهّدين لنهضة علمية في فهم الحديث وتدقيق رجاله.
سمات هذه الطبقة ومكانتها العلمية
تُعدّ الطبقة التاسعة جسرًا بين عصر الرواية وعصر الشرح، حيث انتقل علم الرجال من ميدان السند وحده إلى ميدان التحليل المقارن بين الروايات وتوثيق الأسانيد المتداخلة.
امتدت هذه الطبقة ما بين القرن السادس والثامن الهجري، وهي المرحلة التي استقر فيها علم الحديث ضمن مناهج المدارس الكبرى في المشرق الإسلامي، مثل بغداد ودمشق والقاهرة، وازدهرت فيها المدارس النظامية ودار الحديث النورية، فتهيّأ المناخ لتدوين أعظم الشروح الحديثية في تاريخ الأمة.
أشهر أعلام الطبقة التاسعة
برز في هذه الطبقة أعلام كبار جمعوا بين الرواية والدراية، وكانوا أوعية العلم ونقّاده:
- الإمام النووي (ت 676هـ): صاحب شرح صحيح مسلم والأربعين النووية ورياض الصالحين، جمع بين الفقه والحديث في أسلوب رفيع بليغ.
- الحافظ ابن الصلاح (ت 643هـ): مؤسس علم مصطلح الحديث بشكله المنهجي في كتابه مقدمة ابن الصلاح، الذي صار عمدة الدارسين.
- ابن دقيق العيد (ت 702هـ): الفقيه المحدث، الذي جمع بين الفقه المالكي والشافعي، وكان من أبرز النقاد في الجمع بين الدراية والرواية.
- العراقي (ت 806هـ) وابن الملقن (ت 804هـ): من أبرز من شرح الحديث وخرّج أسانيده، وأسّسا منهج التحقيق الحديثي الدقيق.
- الذهبي (ت 748هـ): إمام علم الرجال في عصره، صاحب ميزان الاعتدال وسير أعلام النبلاء، الذي صاغ علم الرجال بلغة التاريخ والسير.
- ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ): خاتمة المحدثين الكبار، صاحب فتح الباري، الذي عُدَّ ذروة الشروح على صحيح البخاري، ومرجعًا في تراجم الرجال عبر تهذيب التهذيب ولسان الميزان.
التحول المنهجي في دراسة الرجال
امتاز هذا الجيل بقدرته على دمج منهج الرواية بنقد المتن، فصارت دراسة الرجال مرتبطة بفهم الحديث ذاته.
لم يعد علم الرجال مجرد سرد لأسماء الرواة وتوثيقاتهم، بل صار جزءًا من عملية تفسير النص النبوي.
فمثلاً، كان ابن حجر لا يشرح حديثًا إلا ويستعرض طرقه، واختلاف رواته، وموقعهم من التوثيق، ليصل في النهاية إلى حكمٍ علميٍّ دقيق.
وهكذا صار علم الرجال علمًا تحليليًا تفسيريًا، يُقاس فيه صدق الرواية بعمق الفهم لا بمجرد النقل.
الاختصار والتهذيب… سمات العصر الذهبي
مع تضخّم المصنفات الحديثية وكثرة الروايات، اتجه العلماء في هذه الطبقة إلى اختصار الكتب وتهذيب الأسانيد، حفاظًا على جوهر العلم دون إطالة مكرّرة.
ومن أشهر هذه الجهود:
- تهذيب الكمال للمِزي، الذي يُعدّ أوسع موسوعة في تراجم رواة الكتب الستة.
- تهذيب التهذيب وتقريب التهذيب لابن حجر، اللذان وضعا معيارًا علميًا في التلخيص والتوثيق.
- الكاشف للذهبي، الذي جمع بين الاختصار والدقة في الحكم على الرجال.
هذه الجهود لم تكن مجرد تلخيص، بل كانت تحريرًا علميًا يراجع الأسانيد ويقارن الروايات ويكشف أخطاء من سبق.
أثر الطبقة التاسعة في استقرار علم الرجال
بجهود هؤلاء الأعلام استقر علم الرجال في صورته النهائية:
- منهج نقدي محكم يوازن بين الرواية والعقل.
- قواعد ثابتة في الجرح والتعديل.
- مصادر موسوعية تجمع التراجم والأحكام وتوثّق مدارس النقد.
لقد صاغت الطبقة التاسعة علم الرجال في هيئته التي وصلت إلينا، وربطت بين النص والرواة، وبين الإسناد والمعنى، فكانت مرحلة النضج والاكتمال في مسيرة المحدثين.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | ابن الصلاح, ابن حجر العسقلاني, الإمام النووي, الطبقة التاسعة, شراح الصحيحين, شمس الدين الذهبي, صحيح البخاري, صحيح مسلم



