![]()
الصغائر بين المفهوم الشرعي وأثرها على السلوك
تُشكّل الصغائر جزءًا مهمًّا من البناء الفقهي والفكري لمفهوم الذنب في الإسلام. فهي الذنوب التي لا ترتقي إلى مستوى الكبائر، لكنها تبقى محسوبة في ميزان الأعمال، ومؤثرة في صفاء القلب وسلوك المسلم. وقد اهتم العلماء عبر القرون بتمييزها وتوضيح معالمها، حتى لا يختلط على المسلم أمر دينه، فيقع في الغفلة أو التساهل.
تعريف الصغائر
اتفق أهل العلم على أن الصغائر هي الذنوب التي لم يُرتِّب الشرع عليها حدًّا دنيويًا، ولم يأت نص بوعيدٍ خاصٍّ شديدٍ بشأنها، كاللعنة أو الغضب أو العذاب بالنار. فهي في الغالب هفواتٌ أو تقصيرات يسيرة تطرأ على المسلم في سلوكه اليومي، مثل كلمة لا تليق تصدر بغير روية، أو نظرة عابرة لا يقصدها القلب، أو انشغال لحظة عن ذكر الله.
ضوابط التمييز بين الصغائر والكبائر
وضع العلماء عدة ضوابط تُعين على التفريق بين الصغائر والكبائر، منها:
- أن كل ذنب ورد فيه نص بوعيد خاص أو عقوبة محددة فهو من الكبائر.
- أن ما لم يُقترن بعقوبة أو وعيد شديد يُعدّ من الصغائر.
- أن الاستهانة بالذنب أو الإصرار عليه يحوّل الصغير إلى كبير، لأن عظم الذنب لا يُقاس بحجمه الظاهر بل بمدى تعظيم العبد لأوامر الله.
مكانة الصغائر في ميزان الأعمال
رغم أن الصغائر تُغفر بكثرة الطاعات والأعمال الصالحة، إلا أنها تبقى مسطورة في صحيفة الأعمال حتى تُكفَّر. فجاءت الصلاة والجمعة ورمضان والحج كفرص إلهية لمحو آثارها، مصداقًا لقول النبي ﷺ: “الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر“. فالمسلم بين عباداته المتكررة يجد مطهِّرًا يزيل آثار هذه الهفوات، لكن يبقى الحذر من تكرارها والتساهل فيها.
أثر الصغائر على النفس والمجتمع
للصغائر أثر عميق في حياة المسلم إذا تراكمت؛ فهي تضعف البصيرة، وتثقل الروح، وتُشعر القلب بوحشة عن ذكر الله. كما أن الإصرار عليها قد يُجرّئ النفس على ارتكاب الكبائر، لأن من اعتاد الاستهانة بالصغائر قد لا يجد في نفسه حاجزًا يمنعه من اقتراف ما هو أعظم. وعلى المستوى الاجتماعي، فإن انتشار الصغائر بين الأفراد – من غيبة خفيفة أو لمز يسير أو تساهل في الأمانة – قد يفسد نسيج المجتمع ويضعف الثقة بين أفراده.
النظرة التربوية إلى الصغائر
تُظهر الصغائر جانبًا من رحمة الله بعباده، إذ لم يجعل كل خطأ صغير من الكبائر المهلكة، بل فتح أبواب المغفرة المتكررة ليتوازن الإنسان بين ضعفه وفطرته من جهة، وحرصه على الطاعة والالتزام من جهة أخرى. لكن هذه الرحمة لا تعني التهاون؛ فالمؤمن الحقّ لا ينظر إلى حجم الذنب، بل ينظر إلى عظمة من عصاه، كما قال بعض السلف.



