![]()
الذكاء المالي والاقتصاد الرقمي
من الحساب الآلي إلى التقدير الفقهي
الذكاء المالي والاقتصاد الرقمي
من الحساب الآلي إلى التقدير الفقهي
يشهد العالم اليوم تحوّلًا جذريًا في مفهوم المال والاقتصاد، مدفوعًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسلاسل الكتل (البلوك تشين)، وأنظمة التداول الآلي، والعملات الرقمية. وقد أفرز هذا التحوّل منظومة مالية جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسات التقليدية، لتفتح آفاقًا غير مسبوقة أمام الاستثمار والإدارة المالية. غير أن هذا التقدّم المذهل يثير تساؤلات عميقة حول مدى توافقه مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وضوابطها الأخلاقية في حفظ المال ومنع الظلم والغرر والمقامرة.
ويُعدّ الذكاء المالي أحد أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الحديث، حيث توكل إلى الخوارزميات مهمة اتخاذ القرار المالي، من تسعير الأصول إلى إدارة المحافظ الاستثمارية. لكنّ جوهر السؤال الفقهي هنا يتمحور حول من يملك القرار؟
ففي الشريعة، يشترط في المتصرّف المالي العقل والتمييز والمسؤولية، لأنّ المال في الإسلام أمانة لا يجوز العبث بها. أما الذكاء الاصطناعي فآلة لا تملك قصدًا ولا نية، ولا تتحمل تبعة. لذا يظلّ الإنسان المبرمج أو المستثمر هو المسؤول شرعًا عن نتائج قرارات النظام الذكي، ما دام قد فوّضه ضمن نطاق معقول من الخبرة والمراقبة.
وبناءً على ذلك، فإن القرارات المالية القائمة على تحليل البيانات لا تُعدّ محرّمة بذاتها، ما دامت تقوم على العلم والضبط والمشروعية، ولا تفضي إلى ممارسات محرّمة كالتغرير أو الاستغلال أو المقامرة في الأسواق.
الاقتصاد الرقمي وضوابط الشريعة في حفظ المال
من ركائز الشريعة في باب المعاملات تحقيق العدل ومنع الضرر، وهو ما يقتضي الشفافية، وضمان الحقوق، ومنع التضليل أو استغلال الجهالة. والاقتصاد الرقمي، وإن كان يوفّر سرعة التعامل ومرونة الأداء، إلا أنه يطرح تحديات كبرى تتعلّق بـ:
- هوية المال وملكيته في الأصول الافتراضية والعملات المشفّرة.
- حماية الثروة من القرصنة أو التلاعب بالبيانات.
- ضمان المقاصد الأخلاقية في بيئة يغيب عنها الرقيب البشري المباشر.
وهنا تتجلّى مقاصد الشريعة في حفظ المال من الضياع، وإرساء الثقة في التعامل، ومنع الكسب غير المشروع. فكل تقنية رقمية يجب أن تُقوَّم على أساس مدى تحقيقها لهذه المقاصد لا على معيار الحداثة أو التقنية فحسب.
الذكاء الاصطناعي أداة لا مشرِّع
الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته التحليلية، ليس مشرّعًا ولا صاحب قصدٍ تعبدي، بل أداة في يد الإنسان. ومن ثمّ فالأحكام الشرعية في الاقتصاد الرقمي لا تصدر من التقنية ذاتها، بل من توظيفها في مسارات تتفق مع قيم العدالة والإحسان.
فإذا استُخدم الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات الزكاة، أو كشف الغش المالي، أو تحليل البيانات لتحسين توزيع الثروة، فهو من الوسائل المباحة بل المحمودة.
أما إذا استُغل في الممارسات الربوية، أو في التلاعب بالأسواق، أو في إنشاء أنظمة مقامرة مموّهة، فهو من الوسائل المحرّمة، ولو بدا في صورة تقنية متطورة.
بين المقاصد والمخاطر
يُظهر التحليل المقاصدي أنّ المعيار الحاكم في الاقتصاد الذكي هو: النية والمآل. فما كان في مآله إلى تحقيق العدل والنماء المباح، فهو مشروع. وما كان في مآله إلى الظلم أو الفساد المالي، فهو محظور.
ولهذا، فإنّ إدماج الذكاء الاصطناعي في المعاملات المالية يجب أن يخضع لرقابة فقهية ومؤسسية تضمن توازن المصالح، وتُبقي الإنسان في موقع المسؤولية الأخلاقية، حتى لا تتحوّل التقنية إلى وسيلة طغيان رقمي جديد.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الاقتصاد الرقمي, الذكاء الاصطناعي, مقاصد الشريعة, مقاصد حفظ المال.



