![]()
الذكاء الاصطناعي بين الإبداع الإنساني والحدود الشرعية
شهد العالم طفرة هائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، تجاوزت حدود التصور البشري حتى صار قادراً على الإبداع، والتحليل، وصنع القرار. غير أن هذا التطور يثير أسئلة عميقة في ميزان الفقه الإسلامي: هل للذكاء الاصطناعي حكمٌ خاص من حيث الإبداع والنسبة والملكية؟ وهل يجوز للمسلم أن يعتمد عليه في مجالات التفكير أو التشريع أو الإفتاء؟ هذه التساؤلات تمثل إحدى أهم القضايا المعاصرة التي تحتاج إلى ميزان شرعي دقيق يجمع بين الوعي العلمي ومقاصد الشريعة.
أولاً: الإبداع الصناعي بين الجواز والمنع
الأصل في الإسلام إباحة ما لم يرد فيه نصّ بالتحريم، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ومن ثم فابتكار أدواتٍ أو نظمٍ ذكيةٍ تخدم الإنسان يدخل في دائرة المباح النافع، ما لم يُستخدم في باطل أو يؤدي إلى مفسدة.
غير أن الإشكال يظهر حين يُنسب «الإبداع» إلى الآلة ذاتها؛ فالإبداع في حقيقته فعل إنساني قائم على نيةٍ وإدراكٍ واختيارٍ، وهذه الخصائص لا تملكها الآلة. لذلك فإبداع الذكاء الاصطناعي يُعدّ نتاجًا ماديًا لبرمجة بشرية، ولا يجوز نسبته استقلالًا إلى غير الإنسان، لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، فالعلم والإبداع خاصّان بالمخلوق العاقل المكلَّف.
ثانيًا: الملكية الفكرية وأحقية النسبة
تقرّ الشريعة حقّ الإنسان في ثمرة جهده، قال صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، والقياس عليه أن من أنتج فكرة أو برمج خوارزمية فله حقّ النسبة والانتفاع.
لكن إذا أنتج الذكاء الاصطناعي نصًّا أو صورة أو براءة اختراع، فإن الحق يعود إلى من صمّم النظام أو أدخله في بيئة العمل، لا إلى الآلة ذاتها. وهذا يتفق مع قاعدة «الخراج بالضمان»؛ فالمسؤول عن الخطر هو صاحب الملك، وبالتالي يكون صاحب الفائدة هو ذاته.
ثالثًا: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مجالات الفتوى
الذكاء الاصطناعي أداة تحليل لا عقل مكلّف، فلا يجوز أن يُستقلّ بإصدار الفتاوى أو تفسير النصوص الشرعية؛ لأن الحكم الشرعي يقوم على الإدراك المقاصدي للنص، وهو ما لا تملكه الآلة.
لكن يمكن استخدامه في جمع النصوص وتصنيف المسائل وتحليل الأقوال، دون أن يحلّ محلّ المفتي. فوظيفته في هذا الباب هي المساعدة التقنية لا المرجعية الشرعية.
رابعًا: الضوابط الشرعية لتوظيف الذكاء الاصطناعي
ينبغي أن يلتزم المسلمون في تطوير هذه التقنية بجملة من الضوابط، منها:
- ألا تُستخدم في ما يضرّ بالدين أو الإنسان أو المجتمع.
- أن تُراعى الخصوصية والكرامة الإنسانية في معالجة البيانات.
- أن يُحافظ على نسبة الأعمال إلى أصحابها الحقيقيين دون تزوير أو سرقة فكرية.
- أن يبقى الإنسان هو المتحكم والمحاسَب على النتائج، لأن التكليف لا يسقط عن العاقل بفعل غيره من الأدوات.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أصول الفقه, الذكاء الاصطناعي, الفقه الإسلامي, قضايا فقهية, قضايا فقهية معاصرة



