![]()
الدعوة بين الحكمة والواقع..
كيف يُخاطَب الناس بلا صدام؟
جاءت الدعوة منذ نشأتها الأولى فعلًا إنسانيًا عميق الوعي بالإنسان، مدركًا لتفاوت العقول، واختلاف البيئات، وتباين الاستعدادات.
ومن هنا نشأ ما اصطلح عليه بفقه الدعوة، ذلك العلم الذي لا يقف عند حدود النصوص، بل ينفذ إلى كيفية تنزيلها في واقع متحرك، دون أن يفقد جوهرها أو يفرّغها من مقاصدها.
مخاطبة الناس على قدر عقولهم
من أصول فقه الدعوة الراسخة أن الناس ليسوا سواء في الفهم ولا في التلقي، وأن توحيد الخطاب مع اختلاف المخاطَبين ضرب من التعسير لا من الهداية. وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى عمليًا، فكان يخاطب كل فئة بما يناسبها، ويختار من الكلام ما يفتح القلوب ولا يغلقها. حديثه مع الأعرابي لم يكن كحديثه مع الصحابي العالم، وخطابه لحديث العهد بالإسلام لم يكن كخطابه لمن رسخ الإيمان في قلبه. وفي هذا السياق جاء توجيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله، وهو توجيه عميق يربط بين صدق الدعوة وحسن عرضها، ويجعل سوء الأسلوب خطرًا على المعنى ذاته.
الحكمة في تجنّب الصدام غير الضروري
ليس من مقاصد الدعوة أن تدخل في معارك جانبية تستنزف طاقتها وتشوّه رسالتها. ففقه الدعوة يعلّم الداعية أن يميّز بين ما يجب بيانه، وما يُؤجَّل، وبين ما يُقال صراحة، وما يُعرض تمهيدًا. الصدام غير الضروري لا يصنع وعيًا، بل يولّد نفورًا، وقد يحوّل الحق في أعين الناس إلى عبء ثقيل بدل أن يكون نورًا هاديًا. ومن الحكمة أن تُراعى الأعراف، وتُفهم الحساسيات، ويُقدَّر واقع الناس النفسي والاجتماعي، دون أن يعني ذلك مداهنة في الحق أو تنازلًا عن الثوابت، وإنما حسن توقيت وحسن تنزيل.
الدعوة بين النظرية والممارسة
فقه الدعوة ليس نصوصًا تُحفَظ، ولا شعارات تُرفع، بل ممارسة واعية تجمع بين العلم والعمل. فالداعية الذي يملك العلم دون حكمة قد ينفّر، والذي يملك الحماسة دون فقه قد يفسد أكثر مما يصلح. لذلك جاءت الدعوة في الإسلام متكاملة الأركان، أساسها الإخلاص، وعمادها العلم، وزينتها الحكمة، وروحها الرحمة. القول فيها لا ينفصل عن العمل، والموعظة لا تنفصل عن القدوة، لأن الناس تقرأ السلوك قبل أن تصغي للكلام.
حين تتحول الدعوة إلى رسالة بناء
إذا استقام فقه الدعوة على هذا الأساس، تحولت من مجرد خطاب ديني إلى مشروع إصلاح شامل. دعوة تُحيي القلوب قبل أن تُلزم الجوارح، وتبني الإنسان قبل أن تحاكمه، وتفتح له باب الأمل بدل أن تحاصره بلغة الوعيد. بهذا الفهم تستعيد الدعوة صورتها المشرقة، بوصفها امتدادًا لرسالة النبي ﷺ الذي أُرسل رحمة للعالمين، لا قاضيًا على الناس ولا خصمًا لهم. وحين تغيب هذه الروح، تتحول الدعوة من جسرٍ للهداية إلى جدارٍ للعزلة، ومن رسالة وحدة إلى سبب فرقة، وهو ما يناقض مقصدها الأصيل.



