![]()
الدعوة بالقول اللين.. خلق الأنبياء وسرّ التأثير
الدعوة بالقول اللين.. خلق الأنبياء وسرّ التأثير
الخطاب اللين الرقيق، هو ما يفتح القلوب المغلقة، ويذيب القسوة المتجذرة في النفوس. وقد عبّر الصحابي عمرو بن معدي كرب عن هذه الحقيقة حين قال: “الكلام اللين يلين القلوبَ التي هي أقسى من الصخر، والكلام الخشن يخشن القلوب التي هي أنعم من الحرير”.
وهذه الحقيقة أكدها الإمام الغزالي، ونقلها العلماء والمربون، لما لها من أثر بالغ في تقويم السلوك، وردّ الناس إلى الصواب برفق ورحمة.
دعوة الله إلى اللين.. حتى مع الطغاة
من أبرز الشواهد القرآنية على أهمية اللين، أمر الله تعالى لنبييه موسى وهارون، أن يذهبا إلى فرعون – الطاغية الجبّار – بقولٍ ليّن، فقال سبحانه:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾ [طه: 43-44].
قال المفسرون: “أي: قولًا لطيفًا سهلًا رقيقًا، لا عنف فيه ولا شدة، رجاء أن يتذكر أو يخشى”.
فإذا كان هذا مع فرعون، فكيف بنا مع عامة الناس، وعموم المسلمين، وأصحاب الذنوب الذين قد يحتاجون إلى كلمة رقيقة تنتشلهم من خطاياهم؟
والرسول كان أعظم مثال في اللين والرحمة، وأحاديثه وسيرته مليئة بالشواهد على ذلك. فقد قال:
“إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف” [مسلم].
كما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم:
“حُرِّم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس” [الترمذي].وفي موقف شهير، حين بال أعرابي في المسجد، ثار عليه الناس، فأوقفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:
“دعوه، وأهرقوا على بوله ذنوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسّرين، ولم تُبعثوا معسّرين” [البخاري].
ورغم هذا المنهج النبوي الواضح، نرى بعض الدعاة اليوم يتخلّون عن هذا الأصل، ويميلون إلى الغلظة والعنف اللفظي، متناسين أن الرفق لا يعني التنازل عن الحق، بل هو الوسيلة الحكيمة لتوصيله.
الغلظة لا تصلح النفوس، بل تنفرها.
والخطاب الدعوي اليوم يحتاج إلى مراجعة جادة، تبدأ بتجديد نية الرحمة في القلوب، لا إدانة الناس، وتقوم على فهم الواقع، وتقدير الظروف، ومراعاة النفسيات. لا بد أن يتعلم الداعية كيف يفرق بين بغض المعصية، والشفقة على العاصي، وأن يدرك أن القلوب تُفتح بالمودة، لا بالمهاجمة، وقال تعالى:﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128.
فمن أراد أن يتأسى برسول الله، فليكن كما كان: رؤوفًا رحيمًا، ميسرًا لا معسرًا، ليّنًا لا عنيفًا، لأن الدعوة بدون رحمة.. جفاء، والخطاب بلا رفق.. صدٌّ عن سبيل الله.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أساليب الدعوة, الدعوة الإسلامية, فقه الدعوة



