![]()
الخطيب الناجح.. حين يفهم جمهوره ويخاطبهم بما يناسبهم
الخطبة ليست مجرد كلام يُقال على المنبر، بل هي رسالة موجهة لعقول وقلوب تختلف في العمر والثقافة والظروف. ومن هنا، فإن نجاح الخطيب لا يُقاس بكثرة المعلومات أو فصاحة البيان فقط، بل بقدرته على مراعاة تنوّع جمهوره، وتقديم ما يناسب كل فئة منهم بلغة قريبة وسهلة الفهم، وبأسلوب مؤثر وملائم.
اختلاف الجمهور.. تحدٍّ كبير ومسؤولية أكبر
يمتلئ المسجد كل جمعة بأنواع شتى من الناس: شاب يبحث عن التوجيه، وكهل يريد التثبيت، وعامل بسيط لا يحب التعقيد، ومثقف ينتظر التحليل، ورب أسرة مشغول بواقعه، ومتعلم، وأمي، وصاحب همّ، وكلٌ له احتياجه.
وهذا التنوع يجعل الخطبة مهمة دقيقة تتطلب وعيًا عميقًا بطبيعة الجمهور لا مجرد تحضير معلومات.
اللغة المناسبة هي جسر الوصول إلى القلوب
ومن أبرز عوامل التأثير أن يستخدم الخطيب لغة تناسب السامعين. فالتكلف في الألفاظ، أو الإغراق في المصطلحات العلمية، أو الإكثار من الشعر القديم، قد يُعجب فئة ويُنفّر أخرى. والأنفع أن يستخدم الخطيب لغة عربية سهلة واضحة، مع لمحات من العامية المقبولة حينما يكون المقام مناسبًا، بحيث تصل المعاني لكل فئة من الحاضرين.
والخطيب الموفق هو من يختار موضوعات تعالج هموم الناس اليومية، كالمعاملات، وتربية الأبناء، والتقوى في العمل، والرحمة في الأسرة، والصدق في البيع، دون الإغراق في قضايا بعيدة عن حياتهم.
فما الفائدة من خطبة عن مسائل فقهية دقيقة في حين أن الناس يغرقون في مشكلات اجتماعية أو أخلاقية؟
إن فقه الأولويات يقتضي أن يُخاطَب الناس بما يحتاجونه لا بما يُريد الخطيب أن يعرضه فقط.
وعلى الخطيب أن يكون مرنًا في أسلوبه، فيمزج بين القصة والموعظة، وبين التوجيه والتحليل، ويُدخل آيات وأحاديث بوعي، ويستخدم الأمثلة الواقعية من بيئة الناس، فيشعر المستمع أن الخطبة موجهة إليه شخصيًا.
كذلك يُستحب أن يستخدم نبرة صوتية ملائمة، وتعبيرات وجه متفاعلة، لتصل الرسالة بروحها لا بحروفها فقط.
ولا بد للخطيب أن يدرك الفروق بين جيل الآباء والأبناء، بين المتعلم والأمي، بين القروي وساكن المدينة. فالشاب يريد خطابًا مشوقًا تحفيزيًا، والكبير يطلب الحكمة والسكينة، والعامل البسيط يريد فهمًا مباشرًا، والمثقف يريد استدلالًا متينًا. وهذا كله يفرض على الخطيب أن يكون واسع الأفق، مرن الفكر، لا يخاطب جمهورًا خياليًا بل جمهور المسجد الحقيقي.
الخطيب الناجح ليس معلّمًا فقط، بل شريكًا في هموم الناس ومربيًا لهم بكلمته وسلوكه. وإذا وعى اختلاف جمهوره وخاطبهم بصدق وذكاء، نفع الله به، وجعل منبره منبر هداية وإصلاح. أما من تجاهل هذا التنوع، فمهما علت عباراته قد لا تصل إلى أحد. فالخطبة المؤثرة تبدأ من الإنصات لنبض الناس قبل الحديث إليهم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخطيب الناجح, تطور فن الخطابة, فن الخطابة



