![]()
الخطاب الديني في مواجهة العولمة الثقافية
يشهد العالم الإسلامي ، تحوّلًا فكريًا وثقافيًا غير مسبوق بفعل ثورة التكنولوجيا والعولمة، مما فرض على جيل الألفية الذي يشكّل نحو 70% من المجتمعات العربية نمطًا جديدًا من التفكير وأسئلة أكثر عمقًا وحدّة حول الدين والهوية والعالم.
ورغم هذا التغيّر الجارف، ما يزال الخطاب الديني التقليدي عاجزًا عن مواكبة هذا الجيل أو مخاطبته بلغة تستوعب واقعه وتنسجم مع حاجاته، مما فتح جبهة واسعة للنقاش حول ضرورة تجديد الخطاب الديني.
جيل الألفية وتحوّل أنماط التفكير
وقد دخلت قضية تجديد الخطاب الديني، مرحلة غير مسبوقة مع ظهور جيل الألفية، الذي يشكّل النسبة الأكبر من المجتمعات العربية. فهذا الجيل يعيش في عالم رقمي مفتوح، ويواجه يوميًا تدفقات من المعلومات والأفكار التي أعادت تشكيل نظرته للدين والهوية والمجتمع.
وبات يسأل أسئلة عميقة تتعلّق بعلاقة الدين بالسياسة، وحدود التطرف، ومعنى التدين، ومغزى التاريخ الإسلامي، وكيفية ارتباط الدين بالتنمية والاقتصاد، ومكانة الهوية الإسلامية في عالم متغير.
لكن الإجابات التقليدية، وخطاب الوعظ المتكرر، لم تعد قادرة على إشباع فضوله الفكري أو مواكبة اتساع وعيه النقدي.
الأسئلة الوجودية التي يطرحها العقل البشري
وجزء كبير من الأسئلة التي يطرحها جيل اليوم هو امتداد طبيعي لدورة التفكير البشري: ومنها أسئلة عن الخلق، والجنة، والنار، والموت، والبعث، ومفهوم الروح، وهي قضايا وجودية تتطلب خطابًا علميًا عقلانيًا قادرًا على الإقناع. غير أنّ الخطاب الديني الحالي غالبًا ما يتجنب هذه الأسئلة، أو يعالجها بسطحية لا تتناسب مع عقل نشأ في زمن المعرفة المفتوحة.
ضغط العولمة الثقافي وتأثير العالم المفتوح
وبعدما أصبح العالم “قرية صغيرة”، أصبح معه الشباب يتعرضون يوميًا لأفكار وثقافات وقيم متباينة. وهذا الانفتاح أحدث ضغطًا ثقافيًا كبيرًا على الهوية الدينية، وجعل الجيل الشاب يعيش صراعًا بين، الانتماء للتراث المحلي، ووالانفتاح على الحداثة والقيم العالمية الجديدة، ومع كثافة المحتوى العالمي، تتزايد الحاجة إلى خطاب ديني قادر على مواكبة هذا التغيّر، لا مواجهته بأساليب تقليدية لا تصلح لهذا العصر.
جمود الخطاب الديني في مواجهة التحديات
ورغم كل التحولات العميقة، بقي الخطاب الديني العربي تقليديًا في مضمونه وأدواته، مركزًا على:القصص التراثية، وتعليم الوضوء ومبطلات الصوم، والحج والزكاة وهى كلها أشياء عظيمة، لكن الجيل الجديد بحاجة لها ولقضايا أخرى تشغله.
لقد أصبح تجديد الخطاب الديني اليوم ضرورة لا رفاهية، ومسؤولية لا يمكن تأجيلها. فبدون خطاب قادر على مخاطبة العقل، واحتواء الانفتاح العالمي، وفهم حاجات جيل الألفية، سيبقى شباب اليوم في فجوة معرفية لا يسدّها الوعظ التقليدي ولا الخطاب المتشنّج. فالدين ثابت، وأصوله راسخة، ولكن فهمه وتجديد خطابه ضرورة تفرضها الحياة والعصر والإنسان.



