![]()
الخطاب الديني في عصر الرقمنة.. من المنبر إلى الشاشة الذكية
لم يعد صوت الأذان يقتصر على مآذن المساجد، بل ها هو ينتقل عبر الأقمار الاصطناعية ليصل إلى كل شاشة ذكية في أقصى الأرض، لقد حوّلت الثورة الرقمية الخطاب الديني من حوار محلي إلى محادثة عالمية، تتدافع فيها الآراء كما تتدافع أمواج البحر. هذا التحول الضخم يضعنا أمام سؤال مصيري: كيف نحول هذه الفوضى الرقمية إلى سمفونية دعوية متناغمة؟
المشهد الرقمي: من الفوضى إلى التنوع
لقد أحدثت الرقمنة زلزالاً في عالم الخطاب الديني، فلم تعد المعرفة حكراً على النخب، بل أصبحت المعلومات الدينية متاحة للجميع بضغطة زر. هذا الانفتاح أشبه ببحرٍ واسع، فيه اللؤلؤ والمرجان، وفيه الأعاصير والأمواج العاتية.
تنوع الآراء الفقهية لم يعد مقتصراً على المذاهب التقليدية، بل أصبح كل داعية في أي مكان قارة فكرية قائمة بذاتها. هذا التنوع ساهم في زيادة الوعي الديني، لكنه أيضاً أطلق حالة من الفوضى الفقهية، حيث يضيع العامي بين تيارات متعارضة، كل منها يحمل شهادة “الدليل الشرعي”.
الدعاة الجدد: من العمامة إلى الكاميرا
لقد ولد جيل جديد من الدعاة الرقميين، يحملون رسالة الإسلام عبر يوتيوب وفيسبوك وتويتر، مستبدلين المنبر التقليدي بالشاشة اللامعة. هؤلاء الدعاة استطاعوا تقريب الدين من الشباب بلغة العصر، لكن الظاهرة نفسها فتحت الباب أمام غير المتخصصين ليصبحوا “مفتين” وهم لا يملكون أدوات الاجتهاد.
إنها معضلة العصر: كيف نفرق بين الداعية العالمي والمؤثر الإعلامي؟ بين الفتوى الشرعية والرأي الشخصي؟ بين العلم الشرعي والإبهار الرقمي؟
التحديات: عندما تتحول الفضائية إلى ساحة معركة
في هذا الفضاء المفتوح، انتشرت الأفكار المغلوطة كالنار في الهشيم، وظهر الخطاب المتطرف الذي يستغل سذاجة البعض ونقاء الدين ليصبّ سمومه في عقول الشباب. لقد أصبح الإنترنت ساحة لصراع ثلاثي:
- تفسيرات متشددةتُخرج الدين عن سماحته
- أفكار متساهلةتُفرغه من مضمونه
- خطاب وسطي يحاول أن يجد طريقه بين التيارين
مواصفات الخطاب الرقمي الناجح: فنون العصر الجديد
لن ينجح الخطاب الديني في العصر الرقمي إلا إذا تحلى بمواصفات جديدة:
اللغة البسيطة التي تخاطب العقل والقلب معاً، بعيداً عن التعقيد الفقهي الذي لا يناسب عامة الناس. إنها لغة الحكمة والموعظة الحسنة، لا لغة التعصب والجدال العقيم.
الأسلوب الجذاب الذي يجمع بين أصالة المضمون وعراقة المصدر، وجمال التقديم وروعة الإخراج. إنه الخطاب الذي يفهم أننا نخاطب جيلاً تربى على الجودة البصرية والإبهار التقني.
التفاعل المباشر مع الجمهور عبر وسائل التواصل، حيث تتحول الدعوة من خطاب أحادي إلى حوار تفاعلي، يجيب عن أسئلة العصر المستجدة بشفافية وصدق.
الانفتاح الواعي على الثقافات المختلفة، مع الحفاظ على الثوابت الإسلامية، فليس الانفتاح تنازلاً عن المبادئ، بل هو فهم للواقع وتقدير للاختلاف.
الوسائل الحديثة من فيديوهات توضيحية ورسوم بيانية أصبحت ضرورة لا ترفاً، فجمالية العرض قد تكون سبباً في هداية القلوب قبل وصول المعلومة إلى العقول.
إنه الخطاب الذي يستطيع أن يحول الشاشات الذكية إلى منابر هداية، والفضاء الرقمي إلى ساحة دعوة، ليظل صوت “الله أكبر” هو الأعلى، حتى في عالم البتات والبايتات.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | - الإعلام الديني, التجديد الدعوي, الخطاب الديني الرقمي, الدعوة عبر الإنترنت, الوسائط الدينية



