![]()
الخشوع… حياة القلب بين يدي الله
حين يضطرب القلب في زحام الدنيا، ويُثقل بروائح الغفلة واتباع الشهوات، لا يجد صفاءه إلا إذا سجد خاشعًا بين يدي خالقه، ذليلًا لعظمته، مستسلمًا لجلاله. هناك، في لحظة الخشوع، تنطفئ جلبة الدنيا، وتذوب صلابة القلب، وتبزغ أنوار الطمأنينة، فيشعر العبد أنه أقرب ما يكون إلى ربه، وكأن الكون كله قد تلاشى وبقي وجه الله العظيم.
الخشوع في جوهره هو خضوع القلب، وسكون الجوارح، وانكسار النفس بين يدي الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله: “الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل“، فهو ليس مجرد هيئة جسدية أو مظهر خارجي، بل حالٌ داخلي يُترجم على ملامح الوجه وحركة الجسد وصفاء الروح.
وقد مدح الله عباده الخاشعين في كتابه فقال: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ”، فجعل الخشوع أول صفة من صفات الفلاح، لأنه روح الصلاة وسرّ قبولها. فإذا صلّى العبد بغير خشوع كانت الصلاة جسدًا بلا روح، وحركةً بلا حياة.
وجاء في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما يُرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا» [رواه الطبراني]. وهو تحذير من زمن يغيب فيه حضور القلب، فتصبح العبادات عاداتٍ جوفاء، وتفقد النفوس صلتها بمولاها.
والخشوع لا يقتصر على الصلاة وحدها، بل يشمل حياة المؤمن كلها؛ فهو خشوع في النظر حين يغض الطرف عما حرم الله، وخشوع في السمع حين يصرف أذنه عن الباطل، وخشوع في المشي حين يسير بتواضع بعيدًا عن التكبر والاختيال. قال تعالى: “وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا”
وللخشوع مراتب ودرجات؛ أدناها خشوع الجوارح بسكون الحركة، وأعلاها خشوع القلب حين يتجرد من التعلقات، ويستحضر عظمة الله وهيبته، فيذوب بين يديه ذوبان الملح في الماء. وإذا استقر الخشوع في القلب، انطبعت به سائر الجوارح، فغدت الأعمال كلها منضبطة بالسكينة والتواضع والورع.
إنّ الخشوع ليس ضعفًا كما قد يظن بعض الناس، بل هو أعظم مظاهر القوة الروحية، لأنه يحرر العبد من التكبر والغرور، ويربطه بعظمة الخالق سبحانه. وهو زاد السالكين، وراحة المخلصين، وسرّ السكينة التي يبحث عنها كل قلب عطش في صحراء الدنيا.
فيا من ضاقت عليه الأرض بما رحبت، التمس الخشوع في صلاتك، وابحث عنه في دمعةٍ خفية، أو سجدةٍ صادقة، أو لحظة ذكرٍ تام لله. هناك وحده يستعيد قلبك الحياة، وتُروى روحك بماء اليقين، ويُشرق في صدرك نور قوله تعالى: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الخشوع في الصلاة, مفاهيم دينية, مفهوم الخشوع



