![]()
الحكمة والرحمة.. ميراث الدعاة من النبوة
الدعوة إلى الله أمانةٌ عظيمة، وحملٌ ثقيل، ورسالةٌ سماوية تتطلّب قلبًا عامرًا بالإيمان، وروحًا مشبعة بالحكمة، وسلوكًا متزينًا بالأخلاق.
وقد كان النبي محمد ﷺ هو النموذج الأكمل في تبليغ هذه الرسالة، إذ جمع في منهجه بين نور الوحي، ورقة القلب، وصدق القدوة، فصار أسلوبه في الدعوة مدرسةً خالدة لكل الدعاة إلى يوم الدين.
لقد دعا رسول الله ﷺ بالحكمة التي تضع الكلمة في موضعها، وتختار الوقت المناسب، وتخاطب كل عقل بما يليق به، مستضيئًا بقول الله تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”. فلم تكن دعوته صخبًا ولا عنفًا، بل كانت نداءً هادئًا يلامس القلوب قبل الآذان، وكلماتٍ صادقة تذيب قسوة النفوس وتفتح مغاليق الأرواح.
وكان رسول الله، قدوةً تمشي على الأرض، تُجسّد الإسلام سلوكًا قبل أن يكون خطابًا، فصدقُه وأمانتُه وعدلُه وتواضعُه كانت أعظم بيانٍ لدعوته، حتى آمن الناس بأفعاله قبل أقواله، وتأثروا بخلقه قبل منطقه. وهكذا تعلّم الداعية أن أصدق وسائل الدعوة هي السيرة الطيبة، وأن القدوة العملية أبلغ من ألف موعظة.
الرحمة واللين
وقد اتخذ الرسول “صلي الله عليه وسلم” الرحمة واللين سبيلًا في تعامله مع المخالفين، فما أكره أحدًا على دين الله، ولا قاد النفوس بالسوط، بل قادها بالمودّة، وفتح لها أبواب الهداية بالحلم والعفو، حتى دخل الناس في دين الله طواعيةً وقناعة، مصداقًا لقوله تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”. وقد وكان حواره ﷺ قائمًا على العقل والبصيرة، يناقش بالحجّة، ويجيب بالبرهان، ويزرع في النفوس حبَّ المعرفة، ويوقظ العقول إلى نور التفكّر، جامعًا بين الإقناع العقلي والتأثير القلبي، ليكون الإيمان راسخًا لا عاطفةً عابرة.
وصبر رسول الله، في الدعوة كان صبرَ الجبال، وثبت ثباتَ الراسخين، لم يثنه الأذى، ولم تُوقفه السخرية، ولم تُضعف عزيمتَه سنواتُ الحصار والتكذيب، بل مضى بدعوته واثقًا بنصر الله، مستلهمًا طريق الأنبياء قبله، يعلم أمته أن طريق الدعوة محفوفٌ بالابتلاء، وأن الصبر هو زاد السائرين إلى الله.
أما أخلاق الداعية، فقد صاغها النبي ﷺ بسلوكه قبل قوله: صدقٌ بلا مواربة، وأمانةٌ بلا خيانة، وتواضعٌ بلا تكبّر، وعدلٌ بلا ظلم، وإحسانٌ يشمل القريب والبعيد. فالداعية في المنهج النبوي ليس خطيبًا فحسب، بل إنسانٌ يُحتذى به. حيث راعى في دعوته التدرّج، فغرس العقيدة أولًا، ثم بنى الأخلاق، ثم شاد الأحكام، وراعى اختلاف الناس في عقولهم وبيئاتهم وثقافاتهم، فكان يخاطب كل قوم بما يفهمون، ويعطي كل إنسان ما يناسب حاله، في حكمةٍ بالغة وفهمٍ عميق للنفس البشرية.
وهكذا يتجلّى المنهج النبوي في الدعوة منهجًا متكاملًا، يجمع بين الحكمة والرحمة، والقدوة والصبر، والعقل والقلب، والأخلاق والتربية. هو منهج يُحافظ على كرامة الإنسان، ويزرع الإيمان في النفوس دون قهر، ويقيم الحجة دون تعالٍ، ويصنع مجتمعًا يقوم على الهداية، والمحبة، والعدل، والسلام.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأخلاق, الإحسان, الإقناع العقلي, التأثير القلبي, التدرّج, التواضع, الثبات, الحكمة, الحلم, الحوار بالحجّة, الدعوة إلى الله, الرحمة, الصبر, العدل, العفو, القدوة الحسنة, اللين, الموعظة الحسنة, بناء القلوب, غرس العقيدة, فهم النفس البشرية, لا إكراه في الدين, منهج نبوي



