![]()
الحسن البصري.. الإمام الزاهد الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء
الحسن البصري.. الإمام الزاهد الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء
قيل عن الحسن البصري إن كلماته تشبه كلام الأنبياء، وإن حكمته تسري في القلوب كما يسري الماء في العود اليابس فتحييه. كان إذا تكلّم عن الدنيا كأنما كشف قناعها، وإذا ذكر الآخرة فتح للقلوب أبواب الشوق إليها. لم يكن مجرد عالم أو واعظ، بل كان مدرسةً للزهد والعبادة، ومِرآةً صافيةً تعكس روح الإسلام في صفائه الأول. مواقفه أمام السلاطين، ومواعظه للفقراء والطلاب، لم تكن كلمات عابرة، بل نبضًا من الإيمان الصادق، يعلّم الناس كيف يزهدون في الفاني ويُقبِلون على الباقي.
الحسن البصري.. نشأة وزهد
وُلد الحسن البصري في مدينة البصرة سنة 21 هـ، ونشأ في بيئة مشبعة بعبق الصحابة والتابعين. أخذ العلم عن كبارهم مثل عبد الله بن عباس وأنس بن مالك، حتى صار من أعلام عصره وأحد أبرز الوعاظ والزهاد. وكان الناس يرون في سمته المهابة، وفي كلماته حرارة الإيمان، وفي حياته صورة العبد الخاشع المخلص الذي لا تغريه دنيا ولا يرهبه سلطان.
موقفه مع الحجاج بن يوسف
في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي عُرف بسطوته وقسوته، وقف الحسن البصري موقفًا شامخًا يُحاكي مواقف الأنبياء في مواجهة الجبابرة. فلما حضر الحجاج مجلسه في البصرة، وطلب من الحسن أن يدعو له بالمغفرة، أجابه الإمام بكلمات هزّت القلوب: «إن الله يغفر لمن يشاء من عباده، ولكني أخاف أن يقتلني الله على يديك». لقد كان ذلك الموقف شاهدًا على شجاعته، ومثالًا ناصعًا في مقاومة الظلم بكلمة الحق.
حكمته مع الفقراء والطلاب
لم يكن الحسن البصري فقيهًا فحسب، بل كان أبًا روحيًا يواسي الفقراء ويرشد طلابه. فقد جاءه رجل يشكو الفقر، فقال له الحسن: «إذا كنت فقيرًا في الدنيا فاحمد الله على غناك في الآخرة». وجاءه طالب يشكو قسوة قلبه، فأجابه: «إذا أردت أن تذهب إلى الله، فامضِ في طريقه». كلمات قليلة، لكنها كانت دواءً للقلوب، تفتح باب الرجاء وتدل السالكين على الطريق المستقيم.
أقواله الخالدة في الزهد والعبادة
ترك الحسن البصري تراثًا زاخرًا من الحكم التي لا تزال حيّة في القلوب، منها قوله: «ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». وقوله: «ابن آدم، أنت في الدنيا كعابر سبيل»، وهو تصوير بليغ لحقيقة الفناء، ودعوة للإنسان أن يعيش دنياه كمن يمر بها لا كمن يستقر فيها. ومن كلماته الجامعة: «إذا أردت أن تعرف ما في قلبك، فانظر إلى ما تحب»، مبيّنًا أن القلوب تُقاس بميولها، فمن أحب الدنيا قسا قلبه، ومن أحب الله وأخراه صفا وزكا.
إرث خالد
لقد كان الحسن البصري رجلًا جمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والجهاد بالكلمة، وبين الصبر على الدنيا والشوق إلى الآخرة. لم يكن زاهدًا يعتزل الحياة، بل كان زاهدًا يقف في وجه انحرافها، ويقاوم بجرأته ظلمها، ويزرع بحكمته بذور الصلاح في نفوس الأمة. ترك أثرًا خالدًا يذكّرنا بأن الزهد ليس هروبًا من الدنيا، بل ارتفاعًا فوق شهواتها، وأن العبادة ليست مجرد طقوس، بل حياة كاملة في ظلال طاعة الله.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أخبار السلف, الحسن البصري



