![]()
الحديث المرسل:
حلقة مفقودة في الإسناد أم طريق معتبر؟
ليس الجدل حول الحديث المرسل وليد اللحظة، ولا هو ثمرة خلاف عابر بين مدارس الحديث، بل هو سؤال قديم متجدد، يكشف في جوهره عن طبيعة العقل النقدي الذي تشكّل في الحضارة الإسلامية، وعن دقّة العلماء في موازنة النص بين الثبوت والدلالة. فالحديث المرسل يقف دائمًا على تخوم القبول والرد، لا يُطرح خارج دائرة السنة، ولا يُسلَّم له تسليم الصحيح، مما جعله منطقة وسطى، تتقاطع عندها المناهج، وتتباين فيها زوايا النظر.
المرسل في الاصطلاح: انقطاع ظاهر وسياق خفي
الحديث المرسل، في اصطلاح المحدثين، هو ما يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، من غير أن يذكر الصحابي الذي تلقّى عنه الحديث. وهذا السقوط في سلسلة الإسناد هو ما جعله في ظاهره حديثًا منقطعًا، يفتقد حلقة أساسية من حلقات النقل. غير أن هذا التعريف التقني لا يكشف وحده عن حقيقة المرسل، إذ إن التابعي حين يرسل الحديث، فإنه في الغالب لا يتحدّث عن فراغ، بل ينقل عمّن تلقّى العلم والرواية، وغالبًا ما يكون صحابيًا معروفًا.
من هنا نشأ التوتر العلمي حول المرسل: هل يُنظر إليه باعتباره انقطاعًا قادحًا في الثبوت، أم باعتباره اختصارًا للرواية لا يخلّ بجوهرها؟ هذا السؤال لم يكن نظريًا محضًا، بل ترتّبت عليه آثار فقهية وتشريعية واسعة.
بين منهج المحدثين واعتبارات الفقهاء
اتّجه جمهور المحدثين إلى التشدد في قبول الحديث المرسل، انطلاقًا من معيار الإسناد المتصل، الذي هو عماد علم الحديث وخصوصيته الكبرى. فغياب الصحابي، وإن كان في ذاته عدلًا بتعديل الشرع، يفتح باب الاحتمال فيمن أسقطه التابعي، وهل سمعه ممن يوثق به أم لا. ومن هنا عُدّ المرسل عندهم من أقسام الحديث الضعيف من حيث الصناعة الحديثية.
في المقابل، نظر كثير من الفقهاء، وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك في الجملة، إلى الحديث المرسل بعين أكثر مرونة، لا على أساس الإسناد وحده، بل في ضوء القرائن المحيطة به، كشهرة التابعي، وعمله، وموافقة الحديث للأصول العامة أو عمل أهل المدينة. أما الإمام الشافعي، فقد اتخذ موقفًا وسطًا، فقبل المرسل بشروط دقيقة، إذا عضدته شواهد أو وافق قول صحابي أو جاء من طريق آخر.
شروط الاعتبار ومفهوم الجبر العلمي
لم يكن قبول الحديث المرسل عند من قبله قبولًا مطلقًا، بل خضع لمنهج صارم في الجبر والاعتبار. فإذا جاء المرسل من تابعي كبير عُرف بالتحرّي، ولم يخالف نصًّا ثابتًا، ووجد له شاهد أو مسند يقوّيه، ارتقى من مرتبة الضعف النظري إلى درجة الاحتجاج العملي.
هذا المفهوم، الذي يُعرف عند أهل الحديث بـ”جبر الضعف”، يعكس مرونة المنهج الحديثي وقدرته على استيعاب التنوّع في طرق النقل، دون التفريط في معايير النقد. فالمرسل، في هذا السياق، لا يُعامل كحلقة مفقودة معزولة، بل كجزء من شبكة روايات، يُنظر إليها نظرة كلية لا جزئية.
المرسل في ميزان المنهج النقدي الإسلامي
إن النظر إلى الحديث المرسل يكشف عن عمق المنهج النقدي في التراث الإسلامي، الذي لم يتعامل مع النصوص بمنطق أبيض أو أسود، بل أقام بناءً معرفيًا دقيقًا يوازن بين الثقة والاحتياط. فالمرسل لم يُقصَ من دائرة البحث، ولم يُدرج في دائرة القبول المطلق، بل ظل موضوعًا للفحص والمقارنة والترجيح.
ومن هنا يمكن القول إن الحديث المرسل ليس مجرد فجوة في الإسناد، ولا هو طريقًا مستقلًا قائمًا بذاته، بل هو حالة علمية خاصة، تتحدّد قيمتها بملابساتها، وتُفهم في سياقها، ويُحتكم فيها إلى مجموع القرائن، لا إلى عنصر واحد معزول.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسناد, الحديث المرسل, الفقهاء, المحدثون, المنهج النقدي الإسلامي, جبر الضعف, علوم الحديث, قبول الحديث



