![]()
الجبت والطاغوت:
حين يُسمّي القرآن وجوه الانحراف بأسمائها
من الكلمات القرآنية التي جاءت لتمل معان كاشفة كلتى “الجبت والطاغوت، في قول الله تعالى:
“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ”
حيث يجتمع الجبت والطاغوت لا بوصفهما ألفاظًا غامضة، بل عنوانين كبيرين لكل ما يُضاد التوحيد، ويشوّه ميزان الحق.
المعنى اللغوي والدلالي للجبت
الجبت في أصل اللغة يدل على القطع والانقطاع، ثم استُعمل لكل باطل لا أصل له من حق، ولكل ما يُعظَّم بغير سلطان. وقد اختلفت عبارات السلف في تفسيره، فقيل هو السحر، وقيل الكهانة، وقيل الأصنام، وقيل كل ما عُبد أو عُظّم من دون الله، وهذه الأقوال – على تنوّعها – تعود إلى معنى جامع: الباطل الذي يُضفى عليه قداسة زائفة.
فالجبت ليس مجرد اعتقاد خاطئ، بل هو وهمٌ يُلبس لباس الحقيقة، ويُسوَّق على أنه باب نفع أو دفع ضرر، فيتعلّق به القلب، ويُستدعى عند الخوف والطمع، بدل التعلّق بالله. ولهذا كان خطره في تغلغله الخفي، حيث يعمل في منطقة الاعتقاد قبل السلوك.
الطاغوت: تجاوز الحد باسم القوة أو الشرعية
أما الطاغوت، فهو من الطغيان، أي مجاوزة الحد. والطاغوت في المفهوم القرآني أوسع من شخصٍ بعينه، فهو كل ما يُنصَّب مرجعًا أعلى من الله، فيُطاع في معصيته، أو يُحتكم إليه بدل شرعه، أو يُخضع الناس لسلطانه القهري أو الفكري.
وقد يكون الطاغوت حاكمًا جائرًا، أو نظامًا ظالمًا، أو فكرةً مهيمنة، أو هوىً متسلّطًا، أو قوةً تُشرعن الباطل وتقمع الحق. فهو ليس صنمًا من حجر فقط، بل كل سلطة تتجاوز حدودها، وتطالب الإنسان بالخضوع لها على حساب عبوديته لله.
سياق الآية: مفارقة المعرفة والانحراف
جاء ذكر الجبت والطاغوت في سياق عجيب الدلالة؛ إذ تتحدث الآية عن قومٍ أوتوا نصيبًا من الكتاب، أي أن عندهم علمًا، ومع ذلك آمنوا بالجبت والطاغوت. وهنا تتجلّى المفارقة القرآنية الصادمة: أن المعرفة وحدها لا تعصم من الانحراف إذا انفصلت عن الإخلاص والتسليم للحق.
فالآية لا تُدين الجهل بقدر ما تُدين الانحراف الواعي، حين يُستبدل الوحي بالخرافة، ويُستبدل حكم الله بالهوى أو السلطة. وكأن القرآن يقرر أن أخطر أشكال الجبت والطاغوت هو ذاك الذي يتسلل إلى بيئة العلم والدين، متلبسًا بلباس الفهم والمصلحة.
الجبت والطاغوت في ميزان التوحيد
جمع القرآن بين الجبت والطاغوت لأنهما يمثلان جناحي الانحراف:
الجبت يُفسد العقيدة الباطنة، والطاغوت يُفسد النظام الظاهر. الأول يُعلّق القلب بغير الله، والثاني يُخضع الواقع لغير شرع الله. ولهذا لا يكتمل التوحيد إلا بالكفر بهما معًا، كما قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾
فالتوحيد ليس قولًا مجردًا، بل موقفًا فكريًا وسلوكيًا، يبدأ برفض كل مرجعية مزيفة، وينتهي بالانقياد الكامل لله وحده.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الانحراف العقدي, التوحيد, الجبت, الطاغوت, الطغيان, الكلمات القرآنية, تفسير القرآن, معاني ألفاظ القرآن



