![]()
الثقة في علم الرجال.. صفةٌ مركبة تجمع بين العدالة والضبط
الثقة في علم الرجال.. صفةٌ مركبة تجمع بين العدالة والضبط
الثقةُ في اصطلاحِ المحدثين ليست وصفًا لغويًّا عابرًا، بل ميزانًا دقيقًا يُبنى عليه قبولُ الرواية وردُّها، وتقوم عليه سلامةُ النقل في السلسلة الذهبية التي تحفظ سنّة النبي ﷺ من التحريف والاضطراب. إنها صفةٌ مركبة تجمع بين العدالة والضبط، لتجعل من الراوي حلقةً مأمونة في سلسلة الإسناد.
مفهوم الثقة عند المحدثين
عرّف علماءُ الجرح والتعديل “الثقة” بأنها الراوي الجامع بين العدالة — أي الاستقامة في الدين والمروءة — وبين الضبط في الحفظ أو الكتابة أو الأداء. فالعدالة تمنع من الكذب، والضبط يمنع من الوهم، واجتماعهما يرفع الراوي إلى مرتبة القبول المطلق.
قال ابن حجر في نزهة النظر: “العدالةُ ملكةٌ تحمِلُ صاحبَها على ملازمةِ التقوى والمروءة، والضبطُ أن يكون الراوي متيقظًا غيرَ مغفّلٍ، حافظًا لما يروي إن كان من أهل الحفظ، أو متقنًا لما كتب إن كان من أهل الكتاب.”
ومن هنا كان مصطلح “الثقة” لا يُمنح إلا بعد تحقق العلماء من اجتماع هذين الشرطين في الراوي.
درجات الثقة ومنازلها
لم تكن الثقة عند المحدثين منزلة واحدة، بل تفاوتت درجاتها بحسب تمام العدالة والضبط. فالإمام الذهبي يصف بعض الرواة بـ “ثبت” أو “ثقة ثقة” إذا كان متقنًا حافظًا، ويقول “صدوق” لمن غلب على ظنه الصدق لكن خفّ ضبطه، ويقول “لا بأس به” لمن قَبِل حديثه في الشواهد والمتابعات.
وهذا التنويع لم يكن تحكمًا بل دقّة في التقدير، إذ كان النقاد يُفرّقون بين من لم يُجرب عليه خطأ وبين من وُجدت في حديثه أوهام يسيرة لا تقدح في عدالته.
وسائل التحقق من الثقة
اعتمد المحدثون في الحكم على الثقة على منهجٍ علميٍ متين، يقوم على التتبع والاستقراء. فكانوا يجمعون روايات الراوي، ويقارنونها بروايات الثقات، ويرصدون مدى اتساقها واتزانها، ويستعرضون شهادات الأئمة فيه.
وقد اشتهرت في ذلك أقوالهم التي أصبحت موازين علمية مثل: “ثقة”، “لا يُسأل عنه”، “متروك الحديث”، أو “اختلط بآخر عمره”، وهي عبارات دقيقة تعبّر عن منهج نقدي عميق سابق لعصره.
أثر الثقة في قبول الحديث
الثقةُ حجر الأساس في صحة الإسناد، إذ يُبنى قبول الحديث على اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود الثقة في كل راوٍ.
فإن اختلّ الضبط أو العدالة، نزل الحديث عن رتبة الصحيح إلى الحسن أو الضعيف، بحسب مقدار الخلل. لذلك كان علم الجرح والتعديل علمًا خادمًا لعلم المصطلح، وأداةً لحفظ الحديث من التحريف والزيادة والنقصان.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الثقة في علم الرجال, الجرح والتعديل, علم مصطلح الحديث



