![]()
التيمم حين يغيب الماء.. طهارة الصعيد الطيب
قد يرحل الإنسان في سفر طويل أو ينزل به مرض يرهقه، فيجد نفسه عاجزًا عن بلوغ الماء أو استعماله، فيتساءل: كيف يقف بين يدي الله بلا وضوء؟ هنا تتجلى رحمة الشريعة الإسلامية وسعتها، إذ لم تحصر الطهارة في الماء وحده، بل جعلت من الأرض الطيبة سبيلًا للطهر والعبادة. فشُرع التيمم ليكون طهارةً بديلةً عند الحاجة، وليبقى العبد على صلة بربه لا يحجبه عن الصلاة عذر ولا ظرف.
التيمم في القرآن والسنة
نزلت آية التيمم في حادثة مشهورة حين فقد المسلمون الماء في إحدى غزواتهم، فقال الله تعالى: “فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ”[النساء: 43]. فجاءت هذه الرخصة لتقرر أصلًا عظيمًا في التشريع: أن الدين مبني على رفع الحرج والتيسير، وأن الطهارة معنى أوسع من مجرد استعمال الماء.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة تثبت ذلك، ومنها قول النبي ﷺ: “جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا”، أي أن الأرض بجميع أجزائها تصلح لأن تكون موضع صلاة ووسيلة طهارة.
كيفية التيمم
التيمم عبادة يسيرة لا تحتاج إلى عناء، إذ يقوم المسلم بضرب يديه على الصعيد الطيب ـ ترابًا كان أو رملًا أو حجرًا ـ ثم ينفض يديه ويمسح وجهه وكفيه مسحة واحدة. ولا يشترط التراب وحده، بل كل ما على وجه الأرض من مادة طاهرة لم تصبها نجاسة، ما دام يصدق عليه اسم “الصعيد”.
متى يشرع التيمم؟
شرع التيمم في حالات متعددة، أهمها:
عدم وجود الماء: كما في السفر أو الصحاري أو حال الانقطاع عن مصادر المياه.
وجود الماء مع العجز عن استعماله: كالمريض الذي يخشى زيادة مرضه أو تأخر برئه لو استعمل الماء.
الخوف من الضرر: كالذي يخشى العطش إذا استعمل الماء المحدود عنده.
ضيق الوقت: إذا خاف فوات الصلاة لو اشتغل بالبحث عن الماء.
شروط التيمم وضوابطه
لكي يكون التيمم صحيحًا، لا بد من مراعاة شروطه:
أن يكون بتراب أو صعيد طاهر لم تخالطه نجاسة.
أن يكون بعد دخول وقت الصلاة، فلا يُتيمم قبل الوقت إلا لعذر متصل.
أن يسبقه سبب شرعي يبيح التيمم، كفقد الماء أو العجز عن استعماله.
أن ينوي العبد رفع الحدث أو استباحة الصلاة، فالنية أساس الطهارة كلها.
ويبطل التيمم بما يبطل الوضوء من نواقض، كما يبطل بزوال سببه، فإذا وجد الماء أو زال المرض عاد التكليف إلى الوضوء أو الغسل.
الحكمة من التيمم
لم يكن التيمم مجرد مسح رمزي، بل هو تذكير عميق بأن الطهارة في الإسلام ليست مادية فحسب، وإنما هي معنى تعبدي يتصل بالقلب والنية. وقد أراد الله أن يربط العبد بالأرض التي يمشي عليها، فهي مصدر رزقه ومأواه، وهي أيضًا طهوره حين يشحّ الماء. فالأرض كلها مسجد وطهور، ليبقى المؤمن متعبدًا في أي مكان وزمان.
إن في التيمم درسًا بليغًا: أن العبادة لا تنقطع بعذر، وأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن باب القرب مفتوح دائمًا لمن أخلص النية وسعى إلى الطهارة بحسب استطاعته. فالمسلم حين يمسح وجهه بتراب الأرض كأنه يعاهد ربه أن يظل قريبًا، ولو حالت الظروف بينه وبين الماء.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | أحكام الوضوء, أركان الوضوء, التيمم, الفقه الميسر



