![]()
التيار اليساري.. قراءة في المفهوم والموقف من الإسلام
التيار اليساري.. قراءة في المفهوم والموقف من الإسلام
يُعد “التيار اليساري” أحد أبرز التيارات الفكرية والسياسية التي برزت في العالم الحديث، وامتد تأثيره ليشمل المجتمعات العربية والإسلامية، بما فيها النقاش حول العلاقة بين هذا التيار والدين، وبالأخص الإسلام، باعتباره الدين السائد في العالم العربي.
وقد أثار حضور اليسار في المشهد السياسي والفكري الإسلامي جدلًا واسعًا حول مدى انسجام أفكاره مع العقيدة الإسلامية، أو مناهضته لها من حيث المبادئ المرجعية والمنطلقات الفلسفية.
ما هو التيار اليساري؟
التيار اليساري هو اتجاه فكري وسياسي يُركّز على العدالة الاجتماعية، ومناهضة الفوارق الطبقية، ويدعو في جذوره إلى ملكية جماعية لوسائل الإنتاج، ويعارض الرأسمالية والهيمنة الاقتصادية. ويعود أصل هذا التيار إلى الثورة الفرنسية، ثم تطور لاحقًا في الفكر الماركسي والاشتراكي.
وينقسم اليسار إلى درجات، أبرزها:
اليسار المعتدل: كالديمقراطيين الاجتماعيين.
اليسار الجذري: كالماركسيين والشيوعيين.
وفي السياق العربي، اتخذ التيار اليساري طابعًا مختلفًا، حيث اختلطت أفكاره بمفاهيم القومية، والتحرر الوطني، والنضال ضد الاستعمار.
التيار اليساري والدين.. رؤية فلسفية مضادة
يرى كثير من الباحثين أن اليسار الغربي، لا سيما في صورته الماركسية، يقوم على أساس مادي بحت، لا يعترف بوجود إله، وينظر إلى الدين باعتباره أداة برجوازية تُستخدم لتخدير الجماهير. وقد عبّر كارل ماركس عن ذلك بقوله الشهير: “الدين أفيون الشعوب”.
من هذا المنطلق، فإن اليسار الكلاسيكي يتخذ موقفًا مناهضًا للدين من حيث المرجعية والوظيفة، ويُصنّف العقيدة والإيمان ضمن البُنى الفوقية التي تنتجها الظروف الاقتصادية.
زفي العالم العربي، ورغم تبني كثير من اليساريين للنضال الوطني والقضايا الاجتماعية، فإن العلاقة بينهم وبين الإسلام ظلت متوترة. وقد تجلت هذه التوترات في عدة صور:
رفض مرجعية الشريعة الإسلامية كأساس للتشريع، والدعوة إلى أنظمة وضعية علمانية.
الهجوم على المفاهيم الإسلامية التقليدية مثل الحجاب، أو دور العلماء، أو أحكام المواريث.
تبني خطاب “عقلاني” ينتقد النصوص الدينية، ويشكك في مرجعيتها.
محاولة تفسير الإسلام تفسيرًا ماديًا أو اجتماعيًا، على ضوء الماركسية أو البُنى الاقتصادية.
ومع ذلك، ظهرت محاولات من بعض المفكرين اليساريين العرب للتقريب بين الإسلام والعدالة الاجتماعية، معتبرين أن الإسلام نفسه يدعو للمساواة ورفض الاستغلال. ومن أبرزهم المفكر المصري سلامة موسى، وحسين مروة، والطيب تيزيني، الذين سعوا إلى تقديم “قراءة يسارية للإسلام”، لكنهم اصطدموا بجمهور العلماء والتيارات الإسلامية التي رأت في ذلك تحريفًا للدين.
ويرى علماء الإسلام أن اليسار بنسخته المادية الإلحادية يتناقض مع جوهر العقيدة الإسلامية، التي تقوم على التوحيد والإيمان بالغيب، والبعث والحساب، والنبوة والوحي، وكلها مبادئ تُنكرها الماركسية.
كما أن الإسلام لا يعترف بالصراع الطبقي كمنطلق للتغيير، بل يدعو إلى التكافل الاجتماعي، والإحسان، والتعاون بين الأغنياء والفقراء دون الدعوة إلى إلغاء الملكية أو مصادرة الثروات.
وفي الوقت نفسه، يُقر الإسلام بوجوب العدل، ويدعو إلى نصرة المظلوم، لكنه يُسند ذلك إلى مرجعية إلهية وأحكام شرعية، لا إلى الصراع المادي أو “ديكتاتورية البروليتاريا” كما في الفكر اليساري الثوري.
يمكن القول إن العلاقة بين التيار اليساري والإسلام شهدت صدامًا فكريًا وعقائديًا في أكثر المراحل، بسبب الاختلاف الجوهري في المرجعية والتصور عن الإنسان والكون والقيم. وفي الوقت ذاته، لا يُنكر أن بعض المفاهيم مثل “العدالة الاجتماعية” قد تلتقي في صورتها الظاهرة بين الإسلام واليسار، لكن الفارق يكمن في المنطلق والغاية.
فالعدالة في الإسلام ليست مادية فحسب، بل روحانية وشرعية، بينما في الفكر اليساري تُفهم من منظور دنيوي بحت، ينفي الغيب والآخرة، ويُقصي الدين من المجال العام.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التيار اليساري, تيارات فكرية, تيارات فكرية اصطدمت بالإسلام



