![]()
التيار الوجودي.. الإنسان بين الحرية والعبث
في القرن العشرين، حين خرجت أوروبا من رماد حربين عالميتين، كانت الإنسانية تبحث عن معنى الوجود بعد أن انهار كل شيء: الإيمان، والقيم، والكرامة. في هذا الفراغ القاتم وُلد التيار الوجودي، ليُعلن أن الإنسان هو خالق معناه، وأنه وحده مسؤول عن مصيره، بلا إلهٍ ولا قدرٍ ولا غايةٍ أسمى.
جذور الوجودية ونشأتها
تُعدّ الوجودية وليدة الأزمة الروحية التي عصفت بالعقل الغربي بعد انهيار الإيمان الموروث وبروز عبادة الفرد. تعود جذورها إلى سورين كيركجورد، الذي حاول أن يعبّر عن تجربة الإيمان القلِق، ثم تحوّلت على يد جان بول سارتر وألبير كامو إلى فلسفةٍ إلحاديةٍ صريحةٍ تنكر الغيب، وتُقدّس الحرية المطلقة.
رفع الوجوديون شعارهم الشهير: “الوجود يسبق الماهية“، أي أن الإنسان لا يُولد ومعه طبيعة محددة، بل يصنع ذاته باختياره وحده، ومن ثم يتحمل مسؤولية كل فعلٍ دون مرجعيةٍ أخلاقيةٍ أو دينيةٍ تضبطه.
فلسفة الحرية المطلقة
تقوم الوجودية على تأليه الحرية الفردية، فكل إنسانٍ – في نظرها – مشروع مفتوح يختار لنفسه القيم والمعايير. فلا حقّ مطلق ولا باطل مطلق، بل كل شيء نسبي يتبدّل بتبدّل التجربة الذاتية.
لكنّ هذه الحرية التي بدت في ظاهرها خلاصًا من القيود، تحوّلت في باطنها إلى عبءٍ خانق، إذ تُلقي بالإنسان في مواجهة عبث الوجود بلا سندٍ ولا معنى. وهنا وُلدت مأساة الوجودي، الذي يهرب من الطغيان الخارجي ليقع في طغيان الفراغ الداخلي.
الإنسان بين العبث والبحث عن المعنى
رأى كامو أن الحياة عبثٌ لا غاية له، وأن وعي الإنسان بهذا العبث هو سبب ألمه الوجودي، لكنه دعا إلى التمرّد على اللاجدوى عبر الاستمرار في الحياة رغم عبثها. أما سارتر فاعتبر أن الجحيم هو الآخرون، لأن وجودهم يُقيد حريته.
وهكذا انتهت الوجودية إلى إنسانٍ منقطعٍ عن السماء، يحاول أن يمنح ذاته المعنى الذي فقده، لكنه لا يجد في نفسه إلا التيه والقلق. لقد غابت المرجعية العليا، فانهارت الأخلاق، وتحوّلت الحرية إلى عبوديةٍ جديدة لغرائز الإنسان ومزاجه.
الرؤية الإسلامية في ميزان الوجود
جاء الإسلام ليضع الوجود في إطاره الحق، فيقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، فالحياة ليست صدفةً ولا عبثًا، بل امتحانٌ للإنسان في طريق التكامل نحو ربه.
وفي الرؤية الإسلامية، الحرية ليست إنكارًا للرب، بل تحررًا من عبودية الهوى. فحين يُدرك الإنسان أنه مخلوقٌ بغاية، يصبح اختياره سلوكًا مسؤولًا، ويغدو وجوده وسيلةً للارتقاء لا للضياع.
الإيمان لا يسلب الإنسان حريته، بل يمنحها المعنى، ويعيد التوازن بين الذات والخالق، بين الإرادة والقدر، وبين الوعي والسكينة.
نحو تجاوز العبث الوجودي
مأساة الوجودي هي غياب الإيمان لا غياب المعنى، لأنه حين يرفض السماء يفقد الأرض أيضًا. والحلّ ليس في نفي الحرية بل في تهذيبها بنور الهداية.
فالإسلام لا يُلغِي سؤال الوجود، بل يُجيب عنه بجمالٍ وكمال: من أين جئت؟ إلى أين أذهب؟ ولماذا أعيش؟
هي الإجابات التي لم تستطع الفلسفة الوجودية أن تقدمها، فظلّ الإنسان فيها يبحث عن نفسه في صدى العدم.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الإسلام والحداثة., الفلسفة الحديثة, الوجودية, جان بول سارتر



