![]()
التوازن بين العقل والعاطفة في الخطاب القرآني
يتميز الخطاب القرآني بتحقيق التوازن بين مخاطبة العقل والعاطفة، على عكس بعض الفلسفات التي تركز على أحد الجانبين دون الآخر. فالإنسان بطبيعته يمتلك قوتين أساسيتين: قوة التفكير التي تبحث في الحقائق والمعاني، وقوة العاطفة التي تميل إلى الجمال والتأثير الوجداني. ولا يمكن أن تعمل هاتان القوتان في آن واحد بنفس الدرجة، حيث يغلب حضور إحداهما على الأخرى وفقًا للموقف.
وقد أدرك العلماء أهمية هذا التوازن، فأكدوا أن الإنسان في حالات الغضب أو الجوع أو أي مؤثرات عاطفية قوية قد لا يكون قادرًا على التفكير السليم. وهذا ما يتضح في القاعدة الفقهية التي تمنع القاضي من إصدار الأحكام في حالات التوتر العاطفي، لأن المشاعر القوية تؤثر على العقل وتضعف قدرته على الحكم الصحيح.
التكامل بين العقل والعاطفة في القرآن الكريم
يمتاز القرآن الكريم بقدرته الفريدة على تحقيق هذا التوازن، فلا يغلب جانب العقل على العاطفة، ولا العكس، بل يمزج بينهما بطريقة متقنة. فحين يناقش قضية البعث، مثلًا، يستخدم الأدلة العقلية لإثباتها، لكنه في الوقت ذاته يوظف أسلوبًا بلاغيًا يثير المشاعر ويحرك القلوب. يقول الله تعالى:”وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم”. (
هذه الآية لا تقتصر على تقديم حجة عقلية حول قدرة الله على البعث، لكنها في الوقت ذاته تحمل قوة تصويرية تؤثر في القارئ وتجعله يدرك المعنى بعمق أكبر.
النموذج القصصي
يظهر هذا التوازن أيضًا في الأسلوب القصصي للقرآن، حيث يجمع بين الحقائق الفكرية والقيم الأخلاقية بطريقة مؤثرة. ففي قصة يوسف عليه السلام، نجد أن القرآن يعرض مشهد الإغواء بطريقة درامية متقنة تعكس الصراع بين دوافع الغواية ودوافع العفة. يقول تعالى:
“وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ”
نجد هنا أن القرآن يقابل دواعي الغواية الثلاثة :المراودة، إغلاق الأبواب، الدعوة الصريحة، بثلاثة دوافع للعفة (الإيمان، شكر النعمة، إدراك العاقبة، مما يعكس التوازن الدقيق بين العقل والعاطفة في تقديم القصة. فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب ديني، بل هو منهج متكامل يخاطب الإنسان بكل أبعاده، فيدمج بين الحقائق العقلية والتأثير العاطفي بشكل متناغم. وهذه الخاصية تميزه عن أي خطاب آخر، مما يجعله قادرًا على التأثير في القلوب والعقول على حد سواء، ويوفر للإنسان منهجًا متكاملًا للحياة.
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | الأدلة العقلية, البعث, البلاغة, التأثير النفسي, التأثير الوجداني, التفكير, التكامل, التوازن بين العقل والعاطفة, الخطاب القرآني, السرد القرآني, العاطفة, العقل, القرآن الكريم, تصوير القرآن



