![]()
التوازن الإلهي بين سعة الرحمة وصرامة العدل في آيات القرآن
التوازن الإلهي بين سعة الرحمة وصرامة العدل في آيات القرآن
إذا تأمل المتدبر في آيات القرآن الكريم، فإنه سيجد نفسه أمام نسيجٍ إلهي مُحكم، تتعانق فيه الخيوط في تناغمٍ بديع. فأعظم ما يلفت الانتباه هو ذلك التوازن الدقيق بين الرحمة التي تسع السماوات والأرض، والعدل الذي لا يظلم مثقال ذرة. إن الله سبحانه لا يريد لعباده أن ينحازوا إلى قطبي الرحمة والعدل فيفقدوا التوازن في حياتهم، بل يدربهم عبر آياته على أن يكونوا رحماء بأهل الإحسان، أمناء في مواطن الحق، وكأن القرآن يربي فينا شخصية المسلم المتوازن الذي يعرف متى يلين قلبه ومتى تشدد إرادته.
الرحمة: الباب المشرع دومًا للتوبة والرجوع
في مشهد يعبر عن سعة الرحمة الإلهية، تأتي الآية الكريمة من سورة الإسراء: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا”. هنا، حتى الرؤيا التي أراها الله لرسوله عن فتنة واضطهاد، والشجرة الملعونة (شجرة الزقوم) التي هي من أشد صور الوعيد، يقدمها القرآن في إطار الترهيب والتحذير، الذي هو في حقيقته رحمة. فالتخويف هنا ليس غاية، بل هو وسيلة لردع القلوب الغافلة وإعطاؤها فرصة أخيرة للتوبة والإنابة قبل فوات الأوان. إنه عدل في العقوبة، لكنه رحمة في الإنذار المسبق.
العدل: الإطار الذي لا يُتجاوز
في المقابل، وعلى نفس المنوال من السورة، نجد قوله تعالى: “وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ”. هذه الآية تضع الحدود الحاسمة للعدل الإلهي. فالرحمة لا تعني التمادي في الذنب دون حساب، بل إن من أسرف وطغى واستمر على كفره بعد كل ما رأى من آيات، فإن عدل الله يقتضي أن يجازى بما كسبت يداه. هذا الموقف يوضح أن الرحمة مُتاحة وممدودة، لكنها لا تلغي مبدأ الثواب والعقاب القائم على العدل المطلق.
التكامل لا التعارض: أعظم حكمة
اللغز يكمن في فهم أن العدل الإلهي الكامل هو نفسه رحمة، ورحمة الله الواسعة هي من عدله. فعدله مع المظلومين يقتضي عقاب الظالمين، وهذا في ذاته رحمة بالضعفاء والمستضعفين. وفي الوقت نفسه، فتح باب التوبة حتى آخر لحظة هو عدل مع المذنبين الذين قد يئسوا من روح الله. إذن، فالمبدأ هو: الرحمة هي القاعدة، والعدل هو الضمانة التي تحمي هذه القاعدة من أن يهدر حق أو يُتجاوز على أحد.
انعكاس التوازن على حياة المسلم
هذا التوازن القرآني ليس مجرد نظرية عقائدية، بل هو منهج حياة. فهو يعلم الأب أن يكون رحيمًا بأولاده، لكنه حازمٌ في تأديبهم عند الخطأ. ويوجه الحاكم إلى أن يكون عادلاً في قضائه، لكنه رحيم في سياسته مع الرعية. ويأمر المرء بأن يعفو ويصفح (وهذا من الرحمة)، لكنه لا ينهيه عن المطالبة بحقه (وهذا من العدل). “وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ”
روابط وكلمات مفتاحية
- كلمات مفتاحية | التوازن في القرآن, الرحمة الإلهية, الرحمة والعدل, لطائف قرآنية



