التنوير والسلطة: كيف تعاملت الأنظمة السياسية مع الفكر الإصلاحي؟

منذ فجر الفكر التنويري في العالم الإسلامي، لم يكن الصراع فكريًا خالصًا بقدر ما كان سياسيًا في جوهره. فحين دعا المصلحون إلى إطلاق حرية العقل، وإعادة النظر في علاقة الدين بالدولة...
التنوير والسلطة: كيف تعاملت الأنظمة السياسية مع الفكر الإصلاحي؟

التنوير والسلطة: كيف تعاملت الأنظمة السياسية مع الفكر الإصلاحي؟

منذ فجر الفكر التنويري في العالم الإسلامي، لم يكن الصراع فكريًا خالصًا بقدر ما كان سياسيًا في جوهره. فحين دعا المصلحون إلى إطلاق حرية العقل، وإعادة النظر في علاقة الدين بالدولة والمجتمع، وجدوا أنفسهم في مواجهة سلطةٍ تخشى من أن يُنتج الوعي الحر وعيًا سياسيًا جديدًا. ومن هنا بدأت قصة طويلة من التوجس والاصطدام بين السلطة السياسية والفكر الإصلاحي، امتدت من عصور الاستبداد العثماني إلى جمهوريات ما بعد الاستقلال.

الإصلاح الديني كتهديد للنظام القائم

أدركت الأنظمة منذ وقتٍ مبكر أن الإصلاح الديني ليس مجرد دعوة أخلاقية، بل يحمل في طياته نزعة سياسية خطيرة: إذ يحرّر الإنسان من الخضوع الأعمى، ويمنحه القدرة على السؤال والمساءلة. ولهذا، حين دعا جمال الدين الأفغاني إلى إحياء روح الإسلام الأولى التي تجمع بين الإيمان والعقل والحرية، رأت فيه السلطات العثمانية خطرًا على النظام الإمبراطوري، فنُفي من أكثر من بلد.
أما محمد عبده، فقد حاول أن يوازن بين الإصلاح الديني والطاعة السياسية، لكنه ظلّ مراقبًا ومحاصرًا من مؤسسات الدولة، لأن دعوته إلى التعليم والعقلانية كانت تُضعف سلطة المشايخ المتحالفين مع الحكم.
لقد كانت السلطة ترى في كل مشروع للتنوير بذرةً للمعارضة، حتى لو لم يرفع شعار الثورة؛ فمجرد تحرير الفكر كان كفيلًا بخلخلة البنية التقليدية التي يقوم عليها الحكم.

من الاستعمار إلى الدولة الوطنية

مع دخول الاستعمار الأوروبي إلى العالم العربي، دخلت العلاقة بين التنوير والسلطة طورًا جديدًا. فالسلطات الاستعمارية كانت تدّعي نشر التمدن والعقلانية، لكنها في الواقع حاربت التنوير الحقيقي الذي يدعو إلى الاستقلال والتحرر.
وحين نالت الشعوب استقلالها، تسلّمت الحكم نخبٌ وطنية رفعت شعارات التقدم والتنوير، لكنها سرعان ما احتكرت الخطاب الإصلاحي لصالح السلطة. فقد تبنّت الدولة الحديثة خطابًا “تنويريًا رسميًا” يُسمح به في حدود ما يخدم استقرار النظام، بينما جرى قمع المفكرين الأحرار الذين تجاوزوا الخطوط المرسومة.
في مصر، مثلًا، احتُفي بمشروعات الإصلاح الديني طالما بقيت في إطار “الأزهر المطيع”، أما حين خرج المفكرون عن النسق الرسمي كـ علي عبد الرازق أو طه حسين، وطرحوا رؤى تتعلق بعلاقة الدين بالدولة أو بحرية البحث، واجهوا محاكمات فكرية وإدارية قاسية.

الأنظمة الحديثة والتنوير المؤدلج

في النصف الثاني من القرن العشرين، استخدمت الأنظمة العربية شعار “التنوير” سلاحًا ضد خصومها الإسلاميين. فصار التنوير مشروعًا سلطويًا موجّهًا، هدفه ضبط المجال الديني لا تحريره، وتبرير الهيمنة السياسية لا مواجهتها.
أُنشئت مؤسسات ثقافية ضخمة، وجرى تمويل كتّابٍ يتحدثون باسم التنوير، لكن في حدود لا تمس بنية الحكم. وهكذا، تحوّل التنوير من حركةٍ فكرية حرة إلى أداةٍ إدارية تُستخدم لتلميع صورة النظام أو تسويغ سياساته.
ومع ذلك، لم يخمد صوت المفكرين الأحرار؛ فظهر جيل جديد من المفكرين في سبعينيات القرن الماضي مثل حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، حملوا مشعل النقد من جديد، مؤكدين أن التنوير لا يُمنح من فوق، بل يُنتزع من داخل المجتمع، وأن أي سلطة تحتكر تفسير الدين أو معنى الحرية إنما تُعيد إنتاج الظلام بوجهٍ جديد.

التنوير بين المعارضة والشرعية

تاريخ التنوير في العالم الإسلامي هو في جوهره تاريخ العلاقة المتوترة بين العقل والسلطة. فحين حاول المفكرون أن يجعلوا من الدين قوةً محرّرة للإنسان، رأى فيهم الحكّام تهديدًا للشرعية التي يستمدونها من قداسة النصوص.
ومع ذلك، ظلّ التنوير الإسلامي في جوهره وفاءً للدين لا خصومةً معه، إذ أراد أن يعيد إليه معناه الإنساني والأخلاقي، ويُنقذه من أن يكون أداةً بيد السلطان.
لقد علّمنا التاريخ أن الأنظمة تتغيّر، لكن الأفكار الباقية هي تلك التي تُنير الوجدان الإنساني دون خوفٍ أو تبعية. ولذلك، سيبقى التنوير الإسلامي مشروعًا مفتوحًا — لا تحرسه سلطة، ولا تُلغيه قوة، لأنه يستمد شرعيته من نور الحق والعقل معًا.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك