التنوير في الخطاب الديني المعاصر..

صراع بين التجديد والتمييع

التنوير في الخطاب الديني مفهوم ضارب في عمق التجربة الحضارية للأمة، تشكّل عبر قرون من التفاعل بين النص والعقل، وبين الثابت والمتغيّر....
التنوير في الخطاب الديني المعاصر.. صراع بين التجديد والتمييع

التنوير في الخطاب الديني المعاصر..

صراع بين التجديد والتمييع

التنوير في الخطاب الديني مفهوم ضارب في عمق التجربة الحضارية للأمة، تشكّل عبر قرون من التفاعل بين النص والعقل، وبين الثابت والمتغيّر. غير أن المفارقة الكبرى في زمننا الراهن أن هذا المصطلح عاد إلى الواجهة محمّلًا بدلالات متباينة، بعضها يسعى إلى بعث الروح في الخطاب الديني، وبعضها الآخر يوظّفه مطيّة لتفريغ الدين من مضمونه، حتى غدا التنوير ساحة اشتباك فكري بين مشروع التجديد الواعي ومنهج التمييع المتستّر بثوب الحداثة.

التنوير بوصفه استئنافًا للوظيفة الحضارية للدين

حين يُستحضر التنوير في سياقه الصحيح، فإنه لا يعني القطيعة مع التراث ولا التمرّد على النصوص المؤسسة، بل يعني إعادة تفعيل الوظيفة الحضارية للدين في واقع متحوّل. فالدين، في جوهره، لم يكن يومًا عائقًا أمام العقل، بل كان محرّكًا له، يرشده ولا يصادره، ويهذّبه دون أن يعطّله. والتنوير بهذا المعنى هو استعادة لروح الاجتهاد، تلك التي جعلت من الفقه الإسلامي مدرسة حيّة قادرة على التفاعل مع الوقائع المستجدّة دون أن تفقد بوصلتها القيمية.

هذا الفهم للتنوير ينطلق من إدراك عميق للفارق بين النص المقدّس والفهم البشري له؛ فالنص ثابت في مرجعيته، أما الفهم فمتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والسياق. ومن هنا يصبح التجديد ضرورة شرعية لا ترفًا فكريًا، شرط أن يبقى منضبطًا بأصول الاستدلال وقواعد الفهم، بعيدًا عن الانبهار الأجوف بكل ما هو جديد لمجرّد حداثته.

التجديد الديني بين الوعي بالمقاصد والانبهار بالواقع

التجديد الحق لا يُقاس بمدى صخبه الإعلامي ولا بجرأته اللفظية، بل بقدرته على ملامسة هموم الإنسان المعاصر دون التفريط في ثوابت الشريعة. إنه تجديد ينفذ إلى المقاصد الكلية للدين؛ حفظ الدين والنفس والعقل والكرامة الإنسانية، ويعيد ترتيب الأولويات في الخطاب الديني بما ينسجم مع هذه المقاصد.

غير أن الإشكال يظهر حين يتحوّل التجديد إلى استجابة انفعالية لضغوط الواقع، فيغدو الخطاب الديني أسيرًا لمفاهيم مستوردة تُفرض عليه فرضًا، لا نابعة من حاجاته الداخلية. عندها يفقد التجديد توازنه، ويتحوّل من مشروع إصلاحي إلى عملية تكيّف قسري مع سياق ثقافي مغاير، تُقدَّم فيه التنازلات باسم المرونة، ويُعاد تفسير النصوص لا بقصد الفهم، بل بقصد الإرضاء.

التمييع بوصفه انحرافًا عن معنى التنوير

التمييع لا يأتي غالبًا في صورة مواجهة صريحة مع الدين، بل يتسلّل عبر خطاب ناعم، يرفع شعارات العقلانية والانفتاح، بينما يعمل في العمق على تفكيك المرجعيات وإفراغ المفاهيم من محتواها. وفي هذا السياق يُختزل الدين في قيم عامة فضفاضة، تُنزَع عنها أبعادها التشريعية والأخلاقية الملزمة، ليغدو الخطاب الديني أقرب إلى خطاب وعظي بلا تأثير، أو ثقافي بلا مرجعية.

هذا اللون من الخطاب لا يرفض النص صراحة، لكنه يفرغه من سلطته التوجيهية، فيُعاد تأويله على نحو يجعله تابعًا للواقع لا موجّهًا له. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ إذ يتحوّل التنوير إلى أداة لشرعنة الذوبان الثقافي، لا لبناء وعي نقدي متماسك قادر على التفاعل دون الذوبان.

نحو خطاب ديني متنور بلا تفريط

إن الحاجة اليوم ليست إلى خطاب ديني منغلق يخشى العصر، ولا إلى خطاب مائع يذوب فيه، بل إلى خطاب متنور يمتلك شجاعة التجديد وحكمة الالتزام في آن واحد. خطاب يدرك أن الثبات على القيم لا يناقض المرونة في الوسائل، وأن الانفتاح على العالم لا يستلزم التنازل عن الخصوصية الحضارية.

هذا الخطاب المنشود لا يُصاغ في معزل عن الواقع، لكنه لا يُستنسخ منه، بل ينطلق من وعي نقدي يميّز بين ما يمكن استيعابه وما ينبغي مقاومته. وهو خطاب يُعيد الاعتبار للعقل بوصفه أداة فهم، لا سلطة تشريع، ويُعلي من شأن المقاصد دون أن يهمّش النصوص، فيتحقّق التنوير باعتباره فعل إحياء لا عملية تفريغ.

التنوير الحقيقي، في النهاية، ليس شعارًا يُرفع، بل مسارًا فكريًا وأخلاقيًا طويل النفس، لا يستقيم إلا بميزان دقيق، إذا اختلّ مال إمّا إلى جمود قاتل، أو إلى تمييع مدمّر.

روابط وكلمات مفتاحية
ذات صلة
خلافة غلى بن أبي طالب.. دولة العدل في زمن الفتن
جاءت خلافة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فترةٍ عاصفة من تاريخ الأمة، حيث تموجت الفتن وتصادمت...
المزيد »
 النظافة في الإسلام.. رقي الذات واحترام الآخرين
في منظومة القيم الإسلامية، لا تنفصل الطهارة عن جوهر الإيمان، فهي ليست مجرد إجراء صحي أو عادة اجتماعية...
المزيد »
 خطاب الدين الحي.. من الثوابت إلى ساحة الواقع
 لم يعد مقبولاً حبس الخطاب الديني بين جدران التفسير المجرد والنقاش العقائدي المحض. لقد باتت الحاجة ملحة...
المزيد »
بين "ما يدريك" و"ما أدراك"..  دلالات الاستفهام القرآني
يأتي التعبير القرآني بصيغتين متمايزتين: "ما يدريك" بصيغة المضارع، و"ما أدراك" بصيغة الماضي. وقد أجمع...
المزيد »
بين القبيلة والإسلام.. بشر بن ربيعة الخثعمي شاعر الفروسية والإيمان
ينتمي بشر بن ربيعة إلى قبيلة خثعم، من نسل ربيعة، وقد عاش حياته متنقلاً بين ساحات القتال ومجالس الأدب....
المزيد »
بين ثبات النص وحيوية الأسلوب.. ماهية التجديد وحدوده
تُعتبر قضية "تجديد الخطاب الديني" من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفكرية والدينية، إذ تتباين الرؤى...
المزيد »
ملامح التمييز بين المكي والمدني في القرآن الكريم
تنقسم سور القرآن الكريم إلى سور مكية وسور مدنية، لا بناءً على المكان وحده، بل وفق زمن نزول الوحي وسياق...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة الكتاب الكريم...
المزيد »
العربية.. لغة الوحي وهوية الأمة
أنعم الله تعالى على هذه الأمة بلغةٍ عظيمة، هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم...
المزيد »
الخاتم النبوي.. من رمز الرسالة إلى بئر أريس
لم يظهر الخاتم النبوي إلا بعد صلح الحديبية، حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث رسائل إلى ملوك وأمراء...
المزيد »
كيف قادت بشارة راهب عمورية سلمان إلى الحقيقة؟
قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه تظلّ واحدة من أعظم الشواهد على صدق البشارات التي سبقت بعثة النبي...
المزيد »
بشارات الأنبياء بمبعث النبي الخاتم
حين رفع إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء، سأل ربَّه أن يبعث في العرب رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويعلّمهم...
المزيد »
طلب الغيث.. صلاة الاستسقاء بين العبادة والرجاء
الاستسقاء هو التوجه إلى الله تعالى بطلب السقيا عند الحاجة إلى المطر أو الماء، وهو سنة مؤكدة تُقام حين...
المزيد »
بحيرى الراهب وملامح النبوة في طفولة الأمين
كان أبو طالب يصحب ابن أخيه في تجارته، فلما خرج في ركب إلى الشام اصطحب معه الصغير الذي لم يتجاوز الثانية...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك